تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
مكانه قاعة ، وقدّر له صفتها ، فهدم ذلك المسجد ، وعمّر تلك القاعة مكانه وكملت . وقدم الفرنج على الديار المصريّة ، وخرج الملك الصالح مع عساكره إليهم ، ولم يدخل تلك القاعة التي بنيت في مكان المسجد ، فتوفّي السلطان بالمنصورة ، وجعل في مركب ، وأتي به إلى الروضة فجعل في تلك القاعة التي بنيت مكان المسجد مدّة إلى أن بنيت له التربة التي في جنب مدرسته بالقاهرة . وكان النيل في القديم محيطا بالرّوضة طول السنة ، وكان فيما بين ساحل مصر والروضة جسر من خشب ، وكذلك فيما بين الروضة والجيزة جسر من خشب يمرّ عليهما الناس والدوابّ من مصر إلى الروضة ، ومن الروضة إلى الجيزة ؛ وكان هذان الجسران من مراكب مصطفّة بعضها بحذاء بعض ، وهي موثّقة ، ومن فوق المراكب أخشاب ممتدّة فوقها تراب . وكان عرض الجسر ثلاث قصبات ، ولم يزل هذا الجسر قائما إلى أن قدم المأمون مصر ، فأحدث جسرا جديدا ، فاستمرّ الناس يمرّون عليه ، وكان عبور العساكر التي قدمت من المعزّ مع جوهر القائد على هذين الجسرين ، وكان الجسر المتّصل بالروضة كرسيّه حيث المدرسة الخروبية قبلي در النحاس ، وكان النّيل عندما عزم الملك الصالح على عمارة قلعة الروضة قد انطرد عن برّ مصر ، ولا يحيط بالرّوضة إلّا في أيام الزيادة ، فلم يزل يغرق السفن في ناحية الجيزة ، ويحفر فيما بن الروضة ومصر ما كان هناك من الرّمال ، حتّى عاد ماء النيل إلى برّ مصر ، واستمرّ هناك ، فأنشأ جسرا عظيما ممتدّا من برّ مصر إلى الروضة ، وجعل عرضه ثلاث قصبات . وكان كرسيّه حيث المدرسة الخروبيّة قبليّ دار النحاس ، وصار أكثر مرور الناس بأنفسهم ودوّابهم في المراكب ؛ لأنّ الجسرين قد اجترما « 1 » بحصولهما في حيّز قلعة السلطان ، وكان الأمراء إذا ركبوا من منازلهم يريدون الخدمة إلى السلطان بقلعة الروضة يترجّلون عن خيولهم عند البرّ ، ويمشون في طول الجسر إلى القلعة ولا يمكن أحد من العبور عليه راكبا ، سوى السلطان فقط . ولما كملت تحوّل إليها بأهله وحريمه ، واتّخذها دار ملك ، وأسكن معه فيها مماليكه البحرية ؛ وكانت عدتهم نحو الألف . وما برح الجسر قائما إلى أن خرّب العز أيبك قلعة الروضة بعد سنة ثمان وأربعين وستمائة ، فأهمل ، ثم عمّره الظاهر بيبرس على المراكب ، وعمله من ساحل مصر إلى الروضة ، ومن الروضة إلى الجيزة ، لأجل عبور العسكر عليه لمّا بلغه حركة الفرنج . * * *
هامش
( 1 ) اجترما : انقضيا .