تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
لما قضى ابن بغا بالرّقتين ملا * ساقيه درقا إلى الكعبين والعقب « 1 »
بنى الجزيرة حصنا يستجنّ به * بالعسف والضرب ، والصنّاع في تعب
وواثب الجيزة القصوى فخندقها * وكاد يصعق من خوف ومن رعب
له مراكب فوق النيل راكدة * لما سوى القار للنّظار والخشب
ترى عليها لباس الذّلّ مذ بنيت * بالشطّ ممنوعة من عزّة الطّلب
فما بناها لغزو الروم محتسبا * لكن بناها غداة الرّوع للهرب
وقال سعيد القاصّ من أبيات :
وإنّ جئت رأس الجسر فانظر تأمّلا * إلى الحصن أو فاعبر إليه على الجسر
ترى أثرا لم يبق من يستطيعه * من النّاس في بدو البلاد ولا حضر
وما زال حصن الجزيرة هذا عامرا أيّام بني طولون ؛ حتّى أخذه النيل شيئا فشيئا ، وقد بقيت منه بقايا متقطّعة إلى الآن . وكان نقل الصّناعة من الجزيرة إلى ساحل مصر في شعبان سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ، وبنى مكانها البستان المختار ، وصرف على بنائه خمسة آلاف دينار ؛ فاتّخذه الإخشيد متنزّها به ، وصار يفاخر به أهل العراق ، ولم يزل متنزّها إلى أن زالت الدّولة الإخشيديّة والكافوريّة ، وقدمت الدولة العبيدية ؛ فكان يتنزّه فيه المعزّ والعزيز ، وصارت الجزيرة مدينة عامرة بالناس ، بها وال وقاض . وكان يقال : القاهرة ومصر والجزيرة ؛ فلمّا استولى الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الدين ، أنشأ في بحريّ الجزيرة بستانا نزها سمّاه الروضة ، وتردّد إليه تردّدات كثيرة ؛ ومن حينئذ صارت الجزيرة كلّها تعرف بالروضة . قال ابن ميسر في تاريخ مصر : أنشأ الأفضل الرّوضة بحريّ الجزيرة ، وكان يمضي كلّ يوم إليها في العشاريّات الموكبيّة ، وكان قتل الأفضل في سنة خمس عشرة وخمسمائة . قال : وفي سنة ستّ عشرة وخمسمائة ، نقل المأمون البطائحيّ الوزير عمارة المراكب الحربيّة من الصناعة التي بجزيرة مصر إلى الصناعة القديمة بساحل مصر ، وبنى عليها منظرة كانت باقية إلى آخر أيام الدولة العلوية ، فلما استبدّ الخليفة الآمر بالأمر ، أنشأ بجوار البستان المختار من جزيرة الرّوضة مكانا لمحبوبته البدويّة عرف بالهودج « 2 » ،
هامش
( 1 ) الدرق : الصلب من كل شيء . ( 2 ) انظر الخطط المقريزية : 2 / 193 .