تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
ديونه ، ونزل السّعر حين أخذ منه طالع الارتفاع ، وأحدق بالقرى فأصبح كأنّه سماوات كواكبها الضّياع ؛ فلم يكن بعد ذلك إلّا كلمح البصر أو هو أقرب ، حتّى عسل « 1 » في شوارع مصر كما عسر الطريق الثعلب ، وجاس خلال ديارها فأصبح على زرائبها المبثوثة بسطة ، وأحاط بالمقياس إحاطة الدائرة بالنقطة . ثمّ علت أمواجه ، واشتدّ اضطرابه ، وكاد يمتزج بنهر المجرّة الذي الغمام زبده والنجوم حبابه « 2 » .
وشرّق حتّى ليس للشّرق مشرق * وغرّب حتّى ليس للغرب مغرب
إلى أن قال : أما دير الطّين « 3 » فقد ليّس سقوف حيطانه ، واقتلع أشجار غيطانه ، وأتى على ما فيه من حاصل وغلّة ، وتركه ملقة ، فكان كما قيل : زاد الطّين بلّة . وأما الجيزة فقد طغى الماء على قناطرها وتجسّر ، ووقع بها القصب من قامته حين علا عليه الماء وتكسّر ، فأصبح بعد اخضرار بزّته شاحب الإهاب ، ناصل الخضاب ، غارقا في قعر
بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ
[ النور : 40 ] ، وقطع طريق زاويتها على من بها من المنقطعين والفقراء ، وترك الطالح كالصالح يمشي على الماء ، فتنادوا مصبحين :
أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ
[ القلم : 24 ] ، وأدركهم الغرق فأيسوا من الخلاص ،
فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ
[ طه : 78 ] ، فنادوا :
وَلاتَ حِينَ مَناصٍ
[ ص : 3 ] ،
فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
[ النحل : 26 ] ، فانهدّت قواهم ، واستغاثوا من كثرة الماء بالذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم . وأمّا الروضة « 4 » فقد أحاط بها إحاطة الكمام بزهره ، والكأس بحباب خمره :
فكأنّها فيه بساط أخضر * وكأنّه فيها طراز مذهّب
فكم بها من متهم ومنجد ، ومسافر ممّا حصل له من المقيم المقعد . وحائك أصبح حول نوله ينير ، وجعل من غزله بل من غيظه على أجيره يحمل ويسير . ومنجّم وصل الماء من منزله إلى العتبة الخارجة فأصبح في أنحس تقويم ، ودخل إلى بيت أمراضه
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ
[ الصافات : 88 ] ، فأصبح في الطريق
هامش
( 1 ) عسل : تحرّك واضطرب . ( 2 ) الحباب : الفقاقيع التي تعلو الماء . ( 3 ) في الخطط المقريزية : 1 / 503 : دير مار حنّا قرب النيل يعرف اليوم بدير الطين . ( 4 ) جزيرة الروضة في النيل .