تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
لما قيست بالذّراع ، ولولا أنّ مقياسه أشرف البقاع لما اعتبر ما تأخّر من ماء حوله الماضي بقاع ، بينا يكون في الباب إذ هو في الطّاق ، وبينا يكون في الاحتراق إذا هو في الاختراق للإغراق ، وبينا يكون في المجاري ، إذا هو في السواري ، وبينا يكون في الجباب إذا هو في الجبال ، وبينا يقال لزيادته : هذه الأمواه إذ يقال لغلّاته : هذه الأموال . وبينا يكون ماء إذ أصبح حبرا ، وبينا هو يكسب تجارة قد أكسب بحرا ، وبينا يفسد عراه قد أتى بعرار جسور على الجسور جيشه الكرّار ، وكم أمست التّراع منه تراع ، والبحار منه تحار . كم حسنت مقطّعاته على مرّ الجديدين ، وكم أعانت مرارة مقياسه على الغرو من بلاد سيس « 1 » على العمودين « 2 » . أتمّ اللّه لطفه في الإتيان به على التّدريج ، وأجراه بالرّحمة إلى نقص العيون بالتفرّج والقلب بالتفريج ، فأقل جيشه بمواكبه ، وجاء يطاعن الجدب بالصواري من مراكبه ، ويصافف لجاجة الجسور في بيداء لججه ، ويثاقف القحط بالتراس من بركه والسّيوف من خلجه . ولمّا تكامل إيابه ، وصحّ في ديوان الفلاح والفلاحة حسابه ، وأظهر ما عنده من ذخائر التيسير وودائعه ، ولفظ عموده حمل ذلك على أصابعه . وكانت الستّة عشر ذراعا تسمّى ماء السلطان ، نزلنا وحضرنا مجلس الوفاء المعقود ، واستوفينا شكر اللّه تعالى بفيض ما هو من زيادته محسوب ومن صدقاتنا مخرج ومن القحط مردود ، وقع تيّاره بين أيدينا سطورا تفوق ، وعلت يدنا الشريفة بالخلوق ، وحمدنا السير كما حمد لنا السرى ، وصرفناه في القرى للقرى ، ولم نحضره في العام الماضي فعملنا له من الشكر شكرانا وعمل هو ما جرى . وحضرنا إلى الخليج وإذا به أمم قد تلقّونا بالدعاء المجاب ، وقرّظونا فأمرنا ماءه أن يحثو من سدّه في وجوه المدّاحين بالتراب ، ومرّ يبدي المسادّ ويعيدها ، ويزور منازل القاهرة ويعودها ، وإذا سئل عن أرض الطبّالة ، قال : جننّا بليلى ، وعن خلجها ، وهي جنّت بغيرنا . وعن بركة الفيل « 3 » قال : وأخرى بنا مجنونة لا نريدها . وما برح حتّى تعوّض عن القيعان البقيعة ، من المراكب بالسرر المرفوعة ، ومن الأراضي المحروثة ، من جوانب الأدرب بالزرابيّ المبثوثة . وانقضى هذا اليوم عن سرور لمثله فليحمد الحامدون ، وأصبحت مصر جنّة فيها
هامش
( 1 ) سيس : لم تذكر في معجم البلدان . ( 2 ) لعلّ المقصود بذلك المسلّتان بعين شمس بالقرب من المطرية من ضواحي القاهرة . [ النجوم الزاهرة : 1 / 54 ] . ( 3 ) في الخطط المقريزية : 2 / 164 : هذه البركة فيما بين مصر والقاهرة .
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 312 | جلال الدين السيوطي / خليل المنصور