تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢

مدرسة السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون

شرع في بنائها في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة ، وكان في موضعها دور وإسطبلات . قال المقريزيّ : لا يعرف ببلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحكي هذه المدرسة في كبر قالبها ، وحسن هندامها ، وضخامة شكلها ، قامت العمارة فيها مدّة ثلاث سنين ، لا تبطل يوما واحدا ، وأرصد لمصروفها في كلّ يوم عشرين ألف درهم ، منها نحو ألف مثقال ذهبا ، حتّى قال السلطان : لولا أن يقال : ملك مصر عجز عن إتمام ما بناه لتركت بناءها ؛ من كثرة ما صرف . وذرع إيوانها الكبير خمسة وستّون ذراعا في مثلها ، ويقال إنّه أكبر من إيوان كسرى بخمسة أذرع ، وبها أربع مدارس للمذاهب الأربعة . قال الحافظ ابن حجر في إنباء الغمر : يقال إن السلطان حسن أراد أن يعمل في مدرسته درس فرائض ، فقال البهاء السبكي : هو باب من أبواب الفقه ، فأعرض عن ذلك . فاتّفق وقوع قضية في الفرائض مشكلة ، فسئل عنها السّبكيّ ، لم يجب عنها ، فأرسلوا إلى الشيخ شمس الدين الكلائيّ فقال : إذا كانت الفرائض بابا من أبواب الفقه ، فما له لا يجيب ؟ ! فشقّ ذلك على بهاء الدين وندم على ما قال . وكان السّلطان قد عزم على أن يبني أربع منائر ، يؤذّنون عليها ، فتمّت ثلاث منائر إلى أن كان يوم السبت سادس ربيع الآخر سنة اثنتين وستّين وسبعمائة ، سقطت المنارة التي على الباب ، فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس من الأيتام الذي كانوا قد رتّبوا بمكتب السبيل ومن غيرهم ، فلهج الناس بأنّ ذلك ينذر بزوال الدولة ، فقال الشيخ بهاء الدين السبكي في ذلك أبياتا :
أبشر فسعدك يا سلطان مصر أتى * بشيره بمقال سار كالمثل
إنّ المنارة لم تسقط لمنقصة * لكن لسرّ خفي قد تبيّن لي
من تحتها قرىء القرآن فاستمعت * فالوجد في الحال أدّاها إلى الميل
لو أنزل اللّه قرآنا على جبل * تصدّعت رأسه من شدّة الوجل
تلك الحجارة لم تنقضّ بل هبطت * من خشية اللّه لا للضعف والخلل
وغاب سلطانها فاستوحشت فرمت * بنفسها لجوى في القلب مشتعل
فالحمد للّه خطّ العين زال بما * قد كان قدّره الرحمن في الأزل
لا يعتري البؤس بعد اليوم مدرسة * شيّدت بنيانها للعلم والعمل
ودمت حتّى ترى الدنيا بها امتلأت * علما فليس بمصر غير مشتغل