تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
فتحها ، فقيل له : إنّك لا تقدر على ذلك ، فقال : لا بدّ من فتح شيء منها ، ففتحت له الثّلمة المفتوحة الآن بنار توقد وخلّ يرشّ وحدّادين يحدّون الحديد ويحمونه ، ومناجيق يرمي بها . وأنفق عليها مالا عظيما حتّى انفتحت ، فوجد عرض الحائط عشرين ذراعا ؛ فلمّا انتهوا إلى آخر الحائط ، وجدوا خلف النقب مطمرة من زبرجد أخضر ، فيها ألف دينار ، وزن كلّ دينار أوقيّة من أواقينا ؛ فتعجّبوا من ذلك ، ولم يعرفوا معناه . فقال المأمون : ارفعوا إليّ حساب ما أنفقتم على فتحها ، فرفعوه ؛ فإذا هو قدر الذي وجدوه ، لا يزيد ولا ينقص ، ووجدوا داخله بئرا مربّعة ، في تربيعها أربعة أبواب ، يفضي كلّ باب منها إلى بيت فيه أموات بأكفانهم ، ووجدوا في رأس الهرم بيتا فيه حوض من الصخر ، وفيه صنم كالآدميّ من الدّهنج « 1 » ، وفي وسطه إنسان عليه درع من ذهب مرصّع بالجواهر ، وعلى صدره سيف لا قيمة له ، وعند رأسه حجر ياقوت كالبيضة ، ضوءه كضوء النّهار ، عليه كتابة بقلم الطّير ، لا يعلم أحد في الدنيا ما هي . ولمّا فتحه المأمون ، أقام الناس سنين يدخلونه وينزلون من الزلّاقة التي فيه ، فمنهم من يسلم ، ومنهم من يموت . وقال صاحب المرآة : من عجائب مصر الهرمان ، سمك كلّ واحد خمسمائة ذراع في ارتفاع مثلها ، كلّما ارتفع البناء دقّ رأسهما حتّى يصير مثل مفرش حصير ، وهما من المرمر ، وعليهما جميع الأقلام السّبعة : اليونانيّة ، والعبرانيّة ، والسّريانيّة ، والسّنديّة ، والحميريّة ، والرّوميّة ، والفارسيّة . قال : وحكى جدّي عن ابن المناوي ، أنّه قال : حسبوا خراج الدنيا مرارا فلم يف بهدمها . قال صاحب المرآة : هذا وهم ؛ فإنّ صلاح الدين يوسف بن أيّوب أمر بأن يؤخذ منها حجارة يبني بها قنطرة وجسرا ، فهدموا منها شيئا كثيرا . قال : وحكى لي من دخل الهرم المفتوح أنّه وجد فيه قبرا ، وأنّ فيه مهالك ، وربمّا خرج الإنسان في سراديب إلى الفيّوم . قال : والظاهر أنّها قبور ملوك الأوائل ، وعليها أسماؤهم وأسرار الفلك والسحر وغير ذلك . قال : واختلفوا فيمن بنى الأهرام ، فقيل : يوسف ، وقيل : نمرود ، وقيل : دلوكة الملكة ، وقيل : بناها القبط قبل الطوفان ، وكانوا يرون أنّها مأمن ، فنقلوا أموالهم وذخائرهم إليها ، فما أغنى عنهم شيئا . وحكى بعض شيوخ مصر أنّ بعض من يعرف لسان اليونان ، حلّ بعض الأقلام التي عليها ، فإذا هي : « بنى هذا الهرمان ، والنّسر الواقع في السّرطان » . قال : ومن ذلك
هامش
( 1 ) الدهنج : جوهر كالزمرّد . [ مختار الصحاح ] .