وكانت ملصقة بباب الحصن الغربيّ ، فلحقوا بالجزيرة ، وقطعوا الجسر ، وتحصّنوا هناك والنّيل حينئذ في مدّه .
وقيل : إنّ الأعيرج خرج معهم . وقيل أقام في الحصن .
وسأل المقوقس في الصّلح ، فبعث إليه عمرو بعبادة بن الصامت ، فصالحه المقوقس على القبط والرّوم ، على أنّ للروم الخيار في الصلح إلى أن يوافي كتاب ملكهم ؛ فإن رضي تمّ ذلك ، وإن سخط انتقض ما بينه وبين الروم ؛ وأمّا القبط فبغير خيار . وكان الذي انعقد عليه الصّلح أن فرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران عن كلّ نفس في كلّ سنة من البالغين ؛ شريفهم ووضيعهم دون الشيوخ والأطفال والنساء ، وعلى أنّ للمسلمين عليهم النّزل حيث نزلوا ، وضيافة ثلاثة أيام لكلّ من نزل منهم ؛ وأنّ لهم أرضهم وبلادهم ، لا يعترضون في شيء منها .
فمن قال إنّ مصر فتحت صلحا تعلّق بهذا الصلح ، وقال : إنّ الأمر لم يتمّ إلا بما جرى بين عبادة بن الصامت وبين المقوقس ؛ وعلى ذلك أكثر العلماء من أهل مصر ؛ منهم عقبة بن عامر ويزيد بن أبي حبيب واللّيث بن سعد وغيرهم ، وذهب الذين قالوا إنّها فتحت عنوة إلى أنّ الحصن فتح عنوة ؛ فكان حكم جميع الأرض كذلك .
وممّن قال إنّها فتحت عنوة ، عبيد اللّه بن المغيرة السبئيّ وعبد اللّه بن وهب ومالك بن أنس وغيرهم .
وذهب بعضهم إلى أنّ بعضها فتح عنوة وبعضها فتح صلحا ، منهم ابن شهاب وابن لهيعة ، وكان فتحها يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين .
وذكر يزيد بن أبي حبيب أنّ عدد الجيش الذي كان مع عمرو بن العاص خمسة عشر ألفا وخمسمائة .
وذكر عبد الرحمن بن سعيد بن مقلاص ، أنّ الذين جرت سهامهم في الحصن من المسلمين اثنا عشر ألفا وثلاثمائة بعد من أصيب منهم في الحصار من القتل والموت .
ويقال إنّ الذين قتلوا في مدّة هذا الحصار من المسلمين دفنوا في أصل الحصن .
ثمّ سار عمرو بن العاص إلى الإسكندريّة في شهر ربيع الأول سنة عشرين - وقيل في جمادى الآخرة - فأمر بفسطاطه أن يقوّض ، فإذا بيمامة قد باضت في أعلاه ، فقال :
لقد تحرّمت بجوارنا ، أقرّوا الفسطاط حتّى يطير فراخها ، فأقرّوا الفسطاط في موضعه ، فبذلك سمّيت الفسطاط .
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 104
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص١٠٤