واستبضه الحوانب ، فنادؤا : يا فلان ، انزل . فقال الحريم : إنه نزل من وقت صعوده . فكذّبوهنّ وهجموا الدار « 1 » فلم يروا فيها أحدا . وعلم على باشا بإفلاته ، فاغتاظ وعرف أنها حيلة وتمّت عليه .
فانظر - رحمك اللّه - إلى هذه القضية ، أترى أن هذا الوزير لو لم يبذل هذه الدنانير ، أكان يبلغ مأمنه « 2 » ؟ لا واللّه ! بل كان يقتل ويؤخذ ماله ولا ينفعه ( 18 ) بشئ ، لأن الدرهم والدينار إذا لم يبذلا ، لم ينفعا ولا تقضى لصاحبهما حاجة ؛ بل إن كان واليا عزل ، وإن كان تاجرا احتقر .
وفي هذا المعنى أنشد شيخ مشايخنا العلّامة الشيخ محمد الأمير الكبير - حين عزل خورشيد باشا والى مصر سابقا ، وتولّاها صاحب السعادة ، لعدم إعطاء مرتبات العساكر - شعرا ، من مجزوء الكامل :
عزلوك لما قلت : ما * أعطى ، وولّوا من بذل
أو ما علمت بأنّ « ما » « 3 » * حرف يكفّ عن العمل
ولقد أجاد أبو القاسم الحريري في ذم الدينار ، من حيث إنه لا ينفع صاحبه إلا إذا فرّ من يده ، حيث قال ، من مشطور الرجز :
وشرّ ما فيه من الخلائق « 4 » * أن ليس يغنى عنك في المضايق
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، بدل . على الدار .
( 2 ) في الأصل : مامته .
( 3 ) في الأصل : بأنما .
( 4 ) الخلائق جمع خليقة وهي العادة والطبيعة .