ولقد شوهد أن الألكن إذا استغنى يصير فصيحا ، والأعمش إذا تموّل يعود بصره صحيحا .
ومصداق ذلك ، أنى رأيت في سفرتى هذه رجلا يسمى محمد المكّنى « 1 » ، وكان خادما على باب يوسف باشا صاحب طرابلس الغرب ، وكان أعمش العينين ، مسلّق « 2 » الجفنين ، ترشح دموعه ، ويقلّ هجوعه . ودام كذلك إلى أن تولّى حاكما على إقليم فزّان ؛ فبرئ عمشه ، ونبت رمشه ، وذهب وجعه ، وبطل دمعه ، وصار أجمل أهل عصره ، وأوجه أهل قطره .
قلت : ولعل الأمراض إنما تعترى الفقراء ، لما يرونه من الذل والمسكنة والعرى والمسغبة ، فيهتمون لضيق معاشهم ، وعدم ارتياشهم ، فتتشوّش أذهانهم ، وتسقم أبدانهم . والغنىّ ليس كذلك . نعم ، وإن كانت له هموم ، لكنها من جهة أخرى .
شعر من الطويل :
ومن يحمد الدنيا لشئ يسرّه * فسوف - لعمري - عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة * وإن أقبلت كانت كثيرا « 3 » همومها
لكنّ الغنىّ إذا بذل الدينار ، يبلغ الأوطار .
ومن ذلك ما حكى ( 15 ) أن على باشا الأول « 4 » صاحب تونس ، كان قبل ولايته فارّا بالجزائر ، مستجيرا بحاكمها أن يمدّه بعساكر ليأخذها من ابن عمه حسين باشا ،
هامش
( 1 ) ضبط الميم بالضم عن الترجمة الفرنسيةVoyage au Darfour , p . 4 OIوباقي الضبط وارد في الأصل .
( 2 ) الانسلاق في العين : حمرة تعتريها فتقشر . وبهذا يتضح المعنى .
( 3 ) في الأصل : كثير .
( 4 ) انظر ترجمة حياته في : « الخلاصة النقية في أمراء أفريقية » لمحمد الباجي المسعودي ، ص 122 - 130 .