وتماديا على ذلك حتى وصل الباشا إلى محل سلطنته ، وإيوان أبهّته ، فتقدم إليه الوزير قبل أن يأمر فيه بأمر ، وقال : أيّد اللّه مولانا ، إن ابن عمك حسين باشا حين سمع بقدومك أودع عندي أموالا جمّة خبأتها في محل لا يعرفه غيرى ، وأنا محقق أنك قاتلي ، وأخاف إن أنا متّ وهي بمكانها ، لا ينتفع بها مولاي . فإن رأى سيدنا أن يسرّحنى لآتيه بها فليفعل . ففرح على باشا وظنّ صدقه ، وأمره بالتوجه ، وأن تصحبه عشرة حوانب « 1 » .
والحوانب في لغة تونس هم القوّاصة « 2 » بلغة أهل مصر . وقبل توجههم ، قال للحوانب :
إن فرّ منكم قتلتكم أجمعين .
فتوجهوا معه حتى وصل لداره ، فأوقفهم أسفل الدار ، وصعد ليبعد الحريم عن الطريق فوقفوا . وحال صعوده لم يكن له همّ إلّا أنه قصد خزانة أمواله ، فملأ منها جيوبه ذهبا ، وأخذ معه صندوقا صغيرا ، يسمّى في عرف أهل تونس بالفنيق ، مملوءا ذهبا أيضا . وصعد على السطح وتسوّر من دار أخرى ، وخرج إلى الشارع وتوجه إلى دار قونصل الإنجليز ، فدخل عليه وأخبره أنه مستجير به ، وأعلمه بالقصّة ، وأعطاه الصندوق بما فيه ، وقال له : أريد أن تأمر بإحدى سفائنك تتوجّه « 3 » بي في هذه الساعة إلى إنجلاتيرة .
فكتب له القونصل في الحال كتابا إلى أحد قبوداناته « 4 » أن : سافر إلى الإنجلاتيره حال حلول جوابنا هذا إليك ، ولا تتأخّر دقيقة واحدة . وأعطاه الكتاب ورافقه بترجمانه ، ونزلا البحر حتى وصلا إلى السفينة . فحين قرأ مدير السفينة كتاب القونصل أقلع عن المرسى وأطلق مدفعا علامة للقونصل بتوجّهه .
هامش
( 1 ) الحوانب ، جمع : حونب .
( 2 ) في الأصل : « القواص » . والقواص ، مفرد جمعه قواصة .
( 3 ) في الأصل : يتوجه .
( 4 ) القبودان هو القبطان في اللهجة المصرية .