تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
هذه الأمة رائعة الجمال كانت من إماء قاضى مكة الذي سبق أن جلبها من إسطنبول . وهنا نجد أن محمد على باشا بعد أن استمع إلى نسائه وهن يمتدحن جمال وقسمات تلك المرأة الجميلة ، أجبر القاضي - على غير رغبة منه - على تطليق هذه الأمة ( المرأة ) نظير مبلغ خمسين ألف قرش ، ثم عقد عليها بعد ذلك مباشرة . أنا لا أستطيع قول أي شئ عن العادات والتقاليد الخاصة بأهل المدينة المنورة ، نظرا لأن اختلاطى بهؤلاء الناس كان جد قليل . ومع ذلك ، يمكنني القول : إن أهل المدينة المنورة ، لا يراعون في تكريمهم للموتى القواعد السائدة في سائر أنحاء الشرق ، وأنا على ثقة أن المدينة المنورة هي المدينة الوحيدة التي لا تولول نساؤها أو يصحن إذا ما مات أحد أفراد الأسرة . نستطيع القول بعكس ذلك تماما ؛ هذا يعنى أنه في أجزاء أخرى من الليفانت ، هناك فئة معينة من النساء اللاتي يجرى جلبهن لمثل هذه المناسبات ، ويتمثل دورهن الوحيد في العواء والعويل على الميت ، مستخدمات في ذلك أشد العبارات التي تفطر القلوب ، وذلك نظير مبلغ صغير يدفع لهن بالساعة . المدينة المنورة خلو من هذه الندّابات ( على الرغم من اشتهار هؤلاء الندّابات في أجزاء أخرى من الحجاز ) ، يزاد على ذلك أن الناس ينظرون إلى الندب والندّابات باعتبارهما من الأعمال والأشياء المشينة . توفى رب الأسرة في المنزل الذي كان مجاورا للمنزل الذي أقيم فيه ، وكان المنزلان على اتصال ببعضهما البعض . توفى رب الأسرة هذا عند منتصف الليل ، وراح ولده ينفجر في البكاء ، بفعل مشاعره الطبيعية ، وسمعت أم هذا الصبى وهي تقول : " باللّه عليك لا تصح ؛ يا للعار ! ستكشفنا أمام الجيران كلهم " وبعد شئ من الوقت راحت الأم تهدئ ابنها . هناك عادة وطنية أخرى تتعلق بالجنازات : عندما يخرج النعش من منزل الميت يكون محمولا على أكتاف بعض أقارب المتوفى أو أصدقائه ، في حين يسير بقية الأفراد والأصدقاء خلف النعش ، لكن عندما يصل موكب الجنازة إلى الشارع ، نجد أن كل الواقفين أو المنتظرين يسارعون إلى الانضمام إلى موكب الجنازة ، ويبادرون إلى تناوب حمل النعش للحظات قصار ؛
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 175 | جان لوئيس بوركهارت