بحيث يحل بعضهم محل البعض الآخر ، نظرا لأن الجميع يودون المشاركة في هذه المهمة ، التي يجرى تنفيذها دون توقف ، وبذلك نجد النعش ينتقل دوما من رجل إلى آخر ، إلى أن يجرى وضع النعش في النهاية بالقرب من القبر . وإذا ما سلمنا للحظة واحدة ، بأن هذه العادة البسيطة المؤثرة ، نابعة من إحساس صادق وحقيقي ، فإن ذلك يثبت لنا فيضا دافقا من الأحاسيس التي تختلف عما نفعله نحن الأوروبيون في أبهة جنازاتنا ، تلك الأبهة التي نحيط بها جنازة الميت إلى أن يصل إلى القبر . في الشرق يجرى كل شئ طبقا للعادات القديمة الراسخة ؛ هذه العادة الطيبة نشأت ، بلا شك ، بناء على دفق المشاعر ، أو إحساس بالورع والتقوى في قلوب أولئك الذين استنوا هذه العادة ، لكن هذه العادة أصبحت اليوم مجرد شكل من الشكليات .
نساء المدينة المنورة لا يلبس مطلقا ملابس الحداد ، وهن يختلفن ، من هذه الناحية ، عن نساء مصر . تردد في كثير من الأحيان على ألسنة بعض الرحالة ، أن أهل الشرق لا يعرفون ملابس الحداد ، ولكن هذا قول خاطئ ، فيما يتعلق بكل من مصر على الأقل وبعض أجزاء من سوريا . صحيح أن رجال الشرق لا يقبلون على هذا العمل ، الذي تحرمه روح الشرع ونصوصه ، لكن النساء داخل المنازل ، يلبسن ملابس الحداد في سائر أنحاء مصر كلها ، والنساء في بداية الحداد يصبغن أيديهن باللون الأزرق ، أو إن شئت فقل : بصبغ النيلة ؛ وهن في الحداد يرتدين براقع سوداء ، بل وقمصان داخلية سوداء أيضا ، وهن يواصلن ارتداء زي الحداد مدة سبعة أيام ، أو خمسة عشر يوما ، أو أربعين يوما في بعض الأحيان .
فيما يتصل بالتعليم يتعين علىّ القول : إن أهل المدينة المنورة أكثر علما من أهل مكة ، وذلك على الرغم من - كما سبق أن أوضحت - وجود قلة قليلة من المدارس العامة ، إن لم يكن هناك شئ منها على الإطلاق . هناك أفراد يدرسون العلوم الإسلامية في كل من دمشق والقاهرة ، اللتان يوجد فيهما مؤسسات دينية لهذا الغرض ، وكما هو الحال في مكة ، لا يوجد سوق عامة للكتب في المدينة المنورة ، والكتب الوحيدة التي
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 176
مساهمون: جان لوئيس بوركهارت
ص١٧٦