تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
عندما كان يريد قرضا ، كان يرسل في طلب ثلاثة منا أو أربعة ، ونجلس نتحادث معه على امتداد ساعتين ، ويصل الأمر إلى حد العراك بصوت عال ، وكنا ننجح دوما في تقليل المبلغ إلى ما هو أقل من المطلوب ، وعندما كنا نذهب إلى الشريف في الأمور العادية كنا نتحدث إليه مثلما أتحدث أنا معك الآن ، أما الباشا فكان يجعلنا نظل وقوفا أمامه بطريقة مهينة ، شأننا في ذلك شأن العبيد من الأحباش ، وكان ينظر إلينا كما لو كنا مخلوقات أدنى منه " . ويخلص التاجر من كلامه قائلا : " أنا أفضل دفع غرامة للشريف بدلا من دفعها للباشا التركي " . معرفة الأتراك الضئيلة للغة العربية ونطقهم السيئ لهذه اللغة ، حتى وهم يقرأون القرآن ، وجهل الأتراك بالجزيرة العربية وعاداتها التي لا يراعونها في تصرفاتهم وأعمالهم ، تعد من بين الأسباب المتعددة الأخرى لكراهية أهل الجزيرة العربية للأتراك واحتقارهم إياهم . الأتراك يبادلون ذلك الاحتقار باحتقار مماثل وكراهية أكثر ، ومن لا يتكلم لغة الجندي التركي أو يحاكيه في اللباس يدخل في عداد الفلاحين ، ذلك المصطلح الذي درج الأتراك على إطلاقه على الفلاحين المصريين ، باعتبارهم مخلوقات في أحط درجات العبودية والقمع . كراهية الأتراك للعرق العربي أكبر وأشد ، وسبب ذلك أن الأتراك لا يستطيعون الانغماس في نزعتهم الاستبدادية والبذاءة وسلاطة اللسان مثلما يفعلون في مصر ، وذلك لقناعة هؤلاء الأتراك بحكم الخبرة والتجربة أن مواطن الجزيرة العربية سوف يضرب إذا ما ضرب . أهل الجزيرة العربية يرمون الأتراك بالخيانة ، فقد ألقوا القبض على الشريف غالب وأرسلوه إلى تركيا بعد أن أعلن استسلامه للباشا ، وبعد أن سمح للجنود الأتراك باحتلال جدة ومكة ، هؤلاء الجنود يقرون ويؤكدون أنه لولا مساعدة الشريف لما استطاعوا التقدم في الجزيرة العربية ، ولما أصبح لهم موطئ قدم فيها . مصطلح " خائن " يطلق على كل الأتراك الذين في الجزيرة العربية ، في ظل ما يشتهر به العرب من التباهى بالثقة بالنفس والتفوق ، وقد اكتشفت الطبقات الدنيا من العرب تأكيدا خياليا للاتهام الذي يوجهونه للأتراك ، اكتشفوا ذلك من اللقب
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 79 | جان لوئيس بوركهارت