تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
مساكن لزوجاته . ومع ذلك عانى التجار كثيرا من المصاعب ، مثلما كان الحال في زمن الشريف غالب ، حيث عانوا من الرسوم الجمركية التعسفية ، كما عانوا أيضا من حتمية شرائهم كل أنواع البضائع من الباشا في كثير من الأحيان ، الباشا الذي كان يشغف - عندما يكون في الحجاز - بالتجارة شغفه بأعماله العسكرية ، لكن بعد تقييم مزايا نظام الحكم وعيوبه ، نستطيع القول إن أهل جدة كسبوا الكثير من العثمانيين ، وليس من الغرابة في شئ القول إن أحدا من العرب ، سواء كان غنيا أو فقيرا ، لم يكن مرتبطا بسادته الجدد أو محبا لهم ، وكان الناس جميعا نادمين على إنهاء حكم الشريف غالب . ولا يمكن عزو هذا كله إلى جماهير الدهماء الذين يوجدون بين رعايا الباب العالي أكثر مما يوجدون بين رعايا أية أمة من الأمم الأوروبية . الحكام العثمانيون أو بالأحرى الباشوات يتغيرون بصورة مستمرة ، وكل واحد منهم يتحول إلى حاكم أعلى ، الأمر الذي يولد الشكوى والكراهية والاستياء بين الناس ، وإذا كان التتابع السريع للحكام ( الباشوات ) يوحى للناس بأمل سرعة التخلص من المستبد الحاكم ، ويتطلعون لحدوث ذلك بكل الفرح والسرور ، فإنهم يفعلون ذلك من معرفتهم بأن الأشهر الأولى من حكم الباشا الجديد تتسم عادة بالرحمة والعدل . أهل الجزيرة العربية فخورون بأنفسهم ، وهم أمة ذات روح معنوية عالية ، وهذا القول ينسحب أيضا على سكان المدن ، على الرغم من ذيوع الطابع البدوي الفاسد بين هؤلاء السكان الذين ينتمون إلى ذلك العرف المتفسخ والمنحل . هؤلاء الناس يحتقرون الأمة التي لا تتكلم العربية ، أو التي تختلف سلوكياتها عن سلوكياتهم ، وقد اعتادوا منذ زمن طويل النظر إلى الأتراك باعتبارهم أناسا منحطين ، حيث كانوا يرتجفون رعبا من الشريف كلما كانوا يدخلون الحجاز . يزاد على ذلك أن مراسم البلاط التركي الاحتفائية لم يجر تكييفها لتناسب العادات والأفكار الراسخة عند رعايا محمد على باشا الجدد ، وكان الشريف بكل قوته شبيها بشيخ بدوي كبير ، يخضع لمن يتكلم بجرأة ويستعمل لغة خشنة في معظم الأحيان . الباشا التركي يجرى التقرب منه بأبشع أشكال العبودية والذلة ، قال أحد تجار الحجاز وهو يتكلم معي : " إن الشريف غالب