تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
محلان لبيع الحليب ، أو اللبن الرائب الذي يعد من الأشياء شديدة الندرة في سائر أنحاء الحجاز . والأغرب بحق هو أن يصبح اللبن أمرا نادرا بين رعاة الأغنام والقطعان في الجزيرة العربية ، لكن كان ذلك هو الحال في كل من جدة ومكة . واقع الأمر أن المناطق القريبة من هاتين المدينتين مناطق جرداء ، لا تصلح لرعى الماشية ، هي ومن يقومون على أمر رعيها نظير الحصول على الحليب من هذه الماشية . عندما كنت في جدة كان رطل اللبن ( اللبن يباع هنا بالوزن ) يباع بقرش ونصف القرش ، ولا يمكن الحصول عليه إلا عن طريق المحاباة . وهذا الذي يسميه أتراك الشمال يوغورت ( زبادى ) ، أو اللبن الحامض « * » على حد قول السوريين والمصريين ، ليس من بين الأطباق العربية الوطنية ، يزاد على ذلك أن بدو الجزيرة العربية لا يقدرون ذلك النوع من اللبن مطلقا . دكانان صاحباهما تركيان يبيعان الجبن اليوناني واللحم المقدد والتفاح المجفف والتين والزبيب والمشمش المجفف الذي يسمونه قمر الدين ، كل هذه الأصناف تباع بثلاثة أضعاف ثمنها في القاهرة . الجبن يجرى جلبه من كانديا
candia
، ويزداد الطلب عليه بين الجنود الأتراك . هناك نوع من الجبن يصنع في الحجاز هذا النوع شديد البياض على الرغم من ملوحته ، ولا يمكن الاحتفاظ به مدة طويلة ، وليس مغذيا بأي حال من الأحوال . والبدو أنفسهم لا يعيرون الجبن اهتماما ، وهم إما يشربون الحليب أو يحولونه إلى زبد . اللحم المجفف الذي يباع في هذين الدكانين هو اللحم المملح ، ولحم البقر المدخن الذي يأتي من آسيا الصغرى ، والذي يعرف في سائر أنحاء تركيا باسم البسطرمة ، ويقبل عليه الرحالة بدرجة كبيرة . الجنود الأتراك والحجاج متيمون بالبسطرمة ، أما العرب فلا يستسيغون طعمها مطلقا ، كثير من العرب الذين يلاحظون اختلاف لحم البسطرمة من حيث الشكل عن اللحوم الأخرى يصرون على أنه لحم خنزير ، ومن هنا فإن تقييم العرب وتقديرهم للجنود الأتراك يختلف ويتباين
هامش
( * ) لبن شديد الكثافة ، يصبح مر المذاق عن طريق غليه وإضافة نوع من الحامض إليه .
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 57 | جان لوئيس بوركهارت