تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
الطابع المميز لحكم الحجاز ، أبقى على شكله الظاهري إلى ما بعد اعتلاء الشريف غالب لسدة الحكم المستبد . لم يجر مراعاة مراسم الحكم ، التي تمثل حدا فاصلا بين الحكام الشرقيين ونوابهم من ناحية ، وبينهم وبين الشعب من ناحية أخرى . هذا يعنى أن بلاط الشريف كان صغير العدد ، وخاليا من العظمة والأبهة . لم يكن لقب ذلك الحاكم سلطانا أو سلطانا شريفا ، أو حتى " منشئ " على حد قول على بك العباسي . كان رعاياه يستخدمون لقب " سيدنا " ، في حوارهم معه ، أو قد يقولون له " سادتكم " ، وهو اللقب الذي يعطى للباشوات جميعهم . هذا يعنى أن المسافة بين الرعايا والحاكم لم تكن كبيرة ، بحيث تحول بين الرعايا ، في حالة الحاجة ، وبين تعبيرهم عن أحزانهم الشخصية ، ويطالبون مطالبة جريئة بالإصلاح ، في إطار لغة وأسلوب مؤدبين . الشريف الحالي ليس لديه هيئة كبيرة من القوات النظامية ، لكنه كان يستدعى أعوانه من بين الأشراف ، وأتباعهم ، إذا ما احتدم الأمر ودقت أجراس الحرب . هؤلاء الأشراف كان يجرى ربطهم بشخص الشريف غالب ، وذلك عن طريق احترامه لمنزلتهم ونفوذهم ، هؤلاء الأشراف بدورهم كانوا يبادلون الرجل المعاملة نفسها إذ كانوا ينظرون إليه باعتباره الأول بين المتساويين والأنداد . مسألة سرد تاريخ للأحداث التي وقعت في مكة اعتبارا من الفترة التي توقف عندها المؤرخون العرب ( حوالي منتصف القرن السابع عشر على حد تقديرى ) ، سوف تتحول إلى عمل مضن ؛ إذ يتطلب الأمر استخلاص تلك الأحداث من بين الروايات الشفهية ، هذا البلد ليس فيه أحد ، ممن يفكرون في تدوين الأحداث التي وقعت في أزمانهم ، يزاد على ذلك أن الظروف التي زرت البلد في ظلها ، كان يمكن أن تحول بيني وبين الحصول على المعلومات الوافية والدقيقة عن الوضع السياسي لهذه البلاد ، حتى وإن توفر لي الوقت اللازم لذلك ، نظرا لأن التحريات والاستقصاءات التي من هذا القبيل ربما تضطرنى إلى الاختلاط بالناس ، وبخاصة أصحاب المناصب والمقامات ، والاختلاط أيضا بأهل الحل والربط ، وهذه الطبقة من المجتمع هي التي حاولت جاهدا