تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
لحال سبيلهم ، دون أن يقولوا شيئا سوى : " يا الله ، يا كريم . " الشحاذون اليمنيون أو المكيون ليسوا على هذه الشاكلة ، وإنما يصيحون قائلين : " أفهم واجب الحاج ، الله سبحانه وتعالى لا يحب أصحاب القلوب الباردة ، هل ترفض نعم المؤمنين ؟ أعط ، وسيعطيك الله ، وهكذا يخاطب الشحاذون اليمنيون والشحاذون المكيون الناس بهذه الجمل والعبارات ، وبعد أن يحصلوا على الصدقة ، مثلما كان يفعل مزورى ( دليلي ) يقولون : " الله سبحانه وتعالى هو الذي يعطيني وليس أنت " . بعض هؤلاء الشحاذين منتهزين للفرص تماما ويطلبون الصدقات كما لو كانت لهم حقا معلوما . عندما كنت في جدة ، كان شحاذ يمنى يصعد المئذنه كل يوم ، بعد صلاة الظهر ، وينادى بأعلى صوته ، لكي يسمعه الناس في سائر أنحاء السوق وهو يقول : " طالب من الله ، خمسين دولارا ، وطقم من الملابس ونسخة من القرآن ، اسمعونى ، يا مؤمنين ، أسألكم أن تعطونى خمسين دولارا ، راح ذلك الشحاذ اليمنى يكرر هذا الطلب على امتداد أسابيع عدة ، عندما استرعى ذلك الرجاء انتباه أحد الحجاج الأتراك ، وطلب منه أن يأخذ ثلاثين دولارا ، ويتوقف عن تكرار هذا النداء ، الذي كان يلحق العار بإحسان الحجاج الموجودين ويسئ إليهم . رد الشحاذ قائلا : " لا ، لن آخذ الثلاثين دولارا ، لأنى على قناعة أن الله سبحانه وتعالى سيعيطنى كل ما أطلبه " . وبعد أن راح ذلك الشحاذ اليمنى يكرر نداءه على امتداد بضعة أيام ، أعطاه الحاج التركي مبلغ الخمسين دولارا التي كان يطلبها ، لكن الشحاذ لم يشكر له هذا المعروف . ولقد سمعت الناس وهم يتعجبون بعد الصلاة في المسجد الحرام ويقولون : " يا إخوان ، يا مؤمنين ، اسمعونى ! أطلب من الله عشرين دولارا ، أجرة عودتى إلى بلدي ، عشرين دولارا لا غير . أنتم تعلمون أن الله كريم ، وقادر على أن يعطيني مائة دولار ، ولكني لا أطلب سوى عشرين دولارا فقط . لا تنسوا أن الإحسان هو الطريق الموصل إلى الجنة " . وليس هناك من شك في أن هذه الممارسات تكلل بالنجاح في بعض الأحيان . لكن العلم والتعليم لا يمكن أن يزدهر في مكان الشغل الشاغل للعقول فيه هو المكاسب أو الجنة ، وأنا أرى أن لدىّ من الأسباب الكثير الذي يجعلني أؤكد أن مكة في