تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
في المدينة المنورة يعودون بعدها إلى مكة . هذا التغيير المتكرر المنتظم والمتكرر للمسكن ، لا بد أن يكون في مصلحة التجار ، وبخاصة في تلك الأزمان ، يوم أن كان هؤلاء التجار يعرفون على وجه الدقة احتمالات الربح من موسم الحج التالي ، ولما كانت الطائف والمدينة المنورة شبه مدمرتين في ذلك الوقت ، فقد حدا ذلك بتجار مكة إلى التحول إلى جدة باعتبارها المكان الترفيهى الوحيد ، ومع ذلك نجد أن التجار الذين لهم زوجات ومنازل في جدة ، يتحدثون عن مؤسساتهم في مكة باعتبار أن أوقاتهم طوال العام تكون في تلك المؤسسات . سكان كل من مكة وجدة ( وإلى حد ما ) سكان المدينة المنورة يتميزون بحيوية أكثر من حيوية السوريين أو المصريين . لا أحد من هذه الآلات الصامتة المتجهمة له وجود هنا في هذا المكان ، على الرغم من شيوع هذه الوجوه في أجزاء أخرى من الشرق ، هذه الوجوه ترى في غبائها ، وتبلد إحساسها دليلا على رهافة الإحساس ، والحصافة والحكمة . شخصية المكي تشبه شخصية البدوي من هذه الناحية ، هذا يعنى أن الجشع والجرى وراء المكاسب لا يشوه ملامح هذه الشخصية في كثير من الأحيان ، هذا يفيد أن ابتسامة المرح تعلو شفاه هؤلاء الناس بصفة دائمة . في الشوارع ، وفي أسواق العاديات الشرقية ، وفي المنازل بل وحتى في المسجد ترى المكي منبسطا وميالا إلى الضحك والتنكيت . والمكيون عندما يتعاملون مع بعضهم البعض ، أو عندما يتحدثون في أمور خطيرة ، تراهم دائما يستعملون الأمثال أو التوريات ، أو الإشارات الألمعية ، الأمر الذي يولد الظرف ويجلب الضحك . حوارات المكيين مقبولة جدا ، وسبب ذلك أن هؤلاء الناس وهبهم الله مزاجا عامرا بالحيوية ، ووهبهم أيضا رجاحة العقل ، والسلوك الحسن ، وهم يعرفون كيف يفيدون من هذه السجايا ويجعلونها تتفق وتتوافق مع دواخلهم ، وكل من يعرف هؤلاء المكيين ولو معرفة سطحية ، يندر ألا يصيب شيئا من طباعهم الطيبة . المكيون مؤدبون مع بعضهم البعض ، ومع الأجانب والغرباء أيضا ، وهم في ذلك يكونون على العكس من المصريين والسوريين ، وفيهم أيضا شئ من طبيعة
ترحال في الجزيرة العربية — صفحة 249 | جان لوئيس بوركهارت