تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
صاحب النفقة بالحساب ويستقضي منه العدد المجتمع فيها ، خلا منه المكان ، وأصبح في خبر كان ، وركب الليل جملا . وأصبح الأمير يقلب كفيه ، ويضرب أصدريه ، ولم يمكنه أن يحدث في بناء وضع في حرم اللّه تعالى حادثا يحيله ، أو نقضا يزيله . وفاز الرجل بثوابه ، وتكفل اللّه به في انقلابه وتحسين مآبه :
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
« 1 » وبقي خبر هذا الرجل مع الأمير يتهادى غرابة وعجبا ، ويدعو له كل شارب من ذلك الماء المبارك .

شهر رجب الفرد عرفنا اللّه بركته

استهل هلاله ليلة الخميس الموفي عشرين لشهر أكتوبر ، بشهادة خلق كثير من الحجاج المجاورين والأشراف أهل مكة ، ذكروا أنهم رأوه بطريق العمرة ومن جبل قعيقعان وجبل أبي قبيس ، فثبتت شهادتهم بذلك عند الأمير والقاضي ، وأما من المسجد الحرام فلم يبصره أحد . وهذا الشهر المبارك عند أهل مكة موسم من المواسم المعظمة ، وهو أكبر أعيادهم . ولم يزالوا على ذلك قديما وحديثا ، يتوارثه خلف عن سلف متصلا ميراث ذلك إلى الجاهلية ، لأنهم كانوا يسمونه منصل الأسنة . وهو أحد الأشهر الحرم ، وكانوا يحرّمون القتال فيه ، وهو شهر اللّه الأصم « 2 » ، كما جاء في الحديث عن رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم . والعمرة الرجبية عندهم أخت الوقفة العرفية ، لأنهم يحتفلون لها الاحتفال الذي لم يسمع بمثله ، ويبادر إليها أهل الجهات المتصلة بها ، فيجتمع لها خلق عظيم لا يحصيهم إلا اللّه عز وجل . فمن لم يشاهدها بمكة لم يشاهد مرأى يستهدي ذكره غرابة وعجبا ،
هامش
( 1 ) سورة سبأ : الآية 39 . ( 2 ) الأصم : لا يسمع فيه مستغيث ولا قرقعة سلاح .