تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
الذكر مجددة ، وقضى حميدا سعيدا ، والذكر الجميل للسعداء حياة باقية ، ومدة من العمر ثانية . واللّه الكفيل بجزاء المحسنين إلى عباده ، فهو أكرم الكرماء ، وأكفل الكفلاء . ومن الأمور المحظورة في هذا الحرم الشريف ، زاده اللّه تعظيما وتكريما ، أن النفقة فيه ممنوعة ، لا يجد من ذوي اليسار إليها سبيلا في تجديد بناء أو إقامة حطيم أو غير ذلك مما يختص بالحرم المبارك . ولو كان الأمر مباحا في ذلك ، لجعل الراغبون في نفقات البر من أهل الجدة « 1 » حيطانه عسجدا وترابه عنبرا ، لكنهم لا يجدون السبيل إلى ذلك . فمتى ذهب أحد أرباب الدنيا إلى تجديد أثر من آثاره ، أو إقامة رسم كريم من رسومه ، أخذ إذن الخليفة في ذلك . فإن كان مما ينقش عليه أو يرسم فيه ، طرّز باسم الخليفة ونفّذ أمره بعمله ، ولم يذكر اسم المتولي لذلك . ولا بد مع ذلك من بذل حظ وافر من النفقة لأمير البلد ، ربما يوازي قدر المنفوق فيه . فتضاعف المؤونة على صاحبه ، وحينئذ يصل إلى غرضه من ذلك . ومن أغرب ما اتفق لأحد دهاة الأعاجم ، ذوي الملك والثراء ، أنه وصل إلى الحرم الكريم ، مدة جدّ هذا الأمير مكثر ، فرأى تنور بئر زمزم وقبتها على صفة لم يرضها . فاجتمع بالأمير ، وقال : أريد أن أتأنق في بناء تنور زمزم وطيه وتجديد قبته ، وأبلغ في ذلك الغاية الممكنة ، وأنفق من صميم مالي ، ولك علي في ذلك شرط أبلغ بالتزامه لك الغرض المقصود ، وهو أن تجعل ثقة من قبلك يقيد مبلغ النفقة في ذلك ، فإذا استوفى البناء التمام ، وانتهت النفقة منتهاها ، وتحصلت محصاة ، بذلت لك مثلها جزاء على إباحتك لي ذلك . فاهتز الأمير طمعا ، وعلم أن النفقة في ذلك تنتهي إلى آلاف من الدنانير ، على الصفة التي وصفها له ، فأباح له ذلك ، وألزمه مقيدا يحصي قليل الإنفاق وكثيره . وشرع الرجل في بنائه واحتفل واستفرغ الوسع وتأنق وبذل المجهود ، فعل من يقصد بفعله ذات اللّه عز وجل ويقرضه قرضا حسنا . والمقيد يسود طواميره بالتقييد ، والأمير يتطلع إلى ما لديه ، ويؤمل لقبض تلك النفقات الواسعة بسط يديه ، إلى أن فرغ البناء على الصفة التي تقدم ذكرها أولا عند ذكر بئر زمزم وقبته ، فلما لم يبق إلا أن يصبح
هامش
( 1 ) الجدة ( بكسر الجيم وفتح الدال ) : الغنى واليسار .