أوصى بأن يوضع في ذلك التابوت المبارك ، ويحج به ميتا . فسيق إلى عرفات ووقف به على بعد ، وكشف عن التابوت ، فلما أفاض الناس أفيض به ، وقضيت له المناسك كلها ، وطيف به طواف الإفاضة . وكان الرجل ، رحمه اللّه ، لم يحج في حياته . ثم حمل إلى مدينة الرسول ، صلى اللّه عليه وسلم ، وله فيها من الآثار الكريمة ما قدمنا ذكره ، وكاد أشرافها يحملونه على رؤوسهم . وبنيت له روضة بإزاء روضة المصطفى ، صلى اللّه عليه وسلم ، وفتح فيها موضع يلاحظ الروضة المقدسة . وأبيح له ذلك على شدة الضنانة بمثله ، لسابق أفعاله الكريمة . ودفن في تلك الروضة ، وأسعده اللّه بالجوار الكريم ، وخصه بالمواراة في تربة التقديس والتعظيم ، واللّه لا يضيع أجر المحسنين . وسنذكر تاريخ وفاته ، إذا وقفنا عليه من التاريخ الثابت في روضته ، إن شاء اللّه عزّ وجلّ ، وهو ولي التيسير ، لا رب غيره .
ولهذا الرجل ، رحمه اللّه ، من الآثار السنية والمفاخر العلية التي لم يسبقه إليها الأكابر الأجواد وسراة الأمجاد فيما سلف من الزمان ما يفوت الإحصاء ويستغرق الثناء ويستصحب طول الأيام من الألسنة الدعاء ، وحسبك أنه اتسع اعتناؤه بإصلاح عامة طرق المسلمين بجهة المشرق من العراق إلى الشام إلى الحجاز ، حسبما نذكره ؛ واستنبط المياه ، وبنى الجباب ؛ واختط المنازل في المفازات ، وأمر بعمارتها مأوى لأبناء السبيل وجميع المسافرين ؛ وابتنى بالمدن المتصلة من العراق إلى الشام فنادق عيّنها لنزول الفقراء أبناء السبيل الذين يضعف أحدهم عن تأدية الأكرية ؛ وأجرى على قومة تلك الفنادق والمنازل ما يقوم بمعيشتهم ، وعين لهم ذلك في وجوه تأبدت لهم . فبقيت تلك الرسوم الكريمة ثابتة على حالها إلى الآن . فسارت بجميل ذكر هذا الرجل الرّفاق ، وملئت ثناء عليه الآفاق .
وكان مدة حياته بالموصل ، على ما أخبرنا به غير واحد من ثقات الحجاج التجار ممن شاهد ذلك ، قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء فسيحة الأرجاء يدعو إليها كل يوم الجفلى « 1 » من الغرباء فيعمهم شبعا وريا ، ويرد الصادر والوارد من أبناء السبيل في ظله عيشا هنيئا ، لم يزل على ذلك مدة حياته ، رحمه اللّه . فبقيت آثاره مخلدة ، وأخباره بألسنة
هامش
( 1 ) الجفلى ( بفتح الفاء ) : الدعوة العامة إلى الطعام ، وضدها : النقرى ، وهي الدعوة الخاصة .