تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
وفي تلك الليلة ملئ المسجد الحرام كله سرجا فتلألأ نورا . وعند ثبوت رؤية الهلال عند الأمير ، أمر بضرب الطبول والدبادب « 1 » والبوقات ، إشعارا بأنها ليلة الموسم . فلما كانت صبيحة ليلة الخميس ، خرج إلى العمرة في احتفال لم يسمع بمثله ، انحشد له أهل مكة على بكرة أبيهم ، فخرجوا على مراتبهم قبيلة قبيلة وحارة حارة ، شاكين في الأسلحة فرسانا ورجالة ، فاجتمع منهم عدد لا يحصى كثرة ، يتعجب المعاين لهم لوفور عددهم ، فلو أنهم من بلاد جمة لكانوا عجبا ، فكيف وهم من بلد واحد ؟ وهذا أدل الدلائل على بركة البلد . فكانوا يخرجون على ترتيب عجيب ، فالفرسان منهم يخرجون بخيلهم يلعبون بالأسلحة عليها ، والرجالة يتواثبون ويتثاقفون بالأسلحة في أيديهم حرابا وسيوفا وحجفا « 2 » وهم يظهرون التطاعن بعضهم لبعض والتضارب بالسيوف والمدافعة بالحجف التي يستجنون بها . وأظهروا من الحذق بالثقاف « 3 » كل أمر مستغرب . وكانوا يرمون بالحراب إلى الهواء ، ويبادرون إليها لقفا بأيديهم ، وهي قد تصوبت أسنتها على رؤوسهم ، وهم في زحام لا يمكن فيه المجال . وربما رمى بعضهم بالسيوف في الهواء ، فيستلقونها قبضا على قوائمها ، كأنها لم تفارق أيديهم . إلى أن خرج الأمير يزحف بين قواده ، وأبناؤه أمامه ، وقد قاربوا من الشباب . والرايات تخفق أمامه ، والطبول والدبادب بين يديه ، والسكينة تفيض عليه . وقد امتلأت الجبال والطرق والثنيات بالنظارة من جميع المجاورين . فلما انتهى الميقات وقضى غرضه أخذ في الرجوع ، وقد ترتب العسكران بين يديه على لعبهم ومرحهم ، والرجالة على الصفة المذكورة من التجاول . وقد ركب جملة من أعراب البوادي نجبا صهبا « 4 » لم ير أجمل منظرا منها ، وركابها يسابقون الخيل بها ، بين يدي الأمير ، رافعين أصواتهم بالدعاء له والثناء عليه ، إلى أن وصل المسجد الحرام ،
هامش
( 1 ) الدبادب : الطبول . ( 2 ) الحجف : جمع حجفة ، وهي ترس من جلد بلا خشب . ( 3 ) الثقاف : مصدر ثاقف ، أي غالب في الحذق والمهارة في الطعان . ( 4 ) النجب : جمع نجيب وهو الكريم النفيس من الإبل . والصهب : جمع أصهب وصهباء ، وهو ما خالط بياضه حمرة .
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 101 | ابن جبير