تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
ولو لم يكن لها من المتاجر إلا أوان الموسم ، ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب ، فيباع فيها في يوم واحد - فضلا عما يتبعه من الذخائر النفيسة كالجواهر والياقوت وسائر الأحجار ، ومن أنواع الطيب كالمسك والكافور والعنبر والعود ، والعقاقير الهندية ، إلى غير ذلك من جلب الهند والحبشة ، إلى الأمتعة العراقية واليمانية ، إلى غير ذلك من السلع الخراسانية ، والبضائع المغربية ، إلى ما لا ينحصر ولا ينضبط - ما لو فرق على البلاد كلها ، لأقام لها الأسواق النافقة ، ولعم جميعها بالمنفعة التجارية . كل ذلك في ثمانية أيام بعد الموسم ، حاشا ما يطرأ بها مع طول الأيام من اليمن وسواها ، فما على الأرض سلعة من السلع ولا ذخيرة إلا وهي موجودة فيها مدة الموسم . فهذه بركة لا خفاء بها ، وآياتها التي خصها اللّه بها . وأما الأرزاق والفواكه وسائر الطيبات ، فكنا نظن أن الأندلس اختصت من ذلك بحظ له المزية على سائر حظوظ البلاد ، حتى حللنا بهذه البلاد المباركة ، فألفيناها تغص بالنعم والفواكه كالتين والعنب والرمان والسفرجل والخوخ والأترج والجوز والمقل « 1 » والبطيخ والقثاء والخيار ، إلى جميع البقول كالباذنجان واليقطين والسلجم والجزر والكرنب إلى سائرها ، إلى غير ذلك من الرياحين العبقة والمشمومات العطرة . وأكثر هذه البقول ، كالباذنجان والقثاء والبطيخ ، لا يكاد ينقطع مع طول العام . وذلك من عجيب ما شاهدناه مما يطول تعداده وذكره . ولكل نوع من هذه الأنواع فضيلة موجودة في حاسة الذوق ، يفضل بها نوعها الموجود في سائر البلاد . فالعجب من ذلك يطول . ومن أعجب ما اختبرناه من فواكهها البطيخ والسفر جل ، وكل فواكهها عجب ، لكن للبطيخ فيها خاصة من الفضل عجيبة ، وذلك لأن رائحته من أعطر الروائح وأطيبها . يدخل به الداخل عليك فتجد رائحته العبقة قد سبقت إليك ، فيكاد يشغلك الاستمتاع بطيب رياه عن أكلك إياه ، حتى إذا ذقته خيل إليك أنه شيب بسكر مذاب أو بجنى النحل اللباب . ولعل متصفح هذه الأحرف يظن أن في الوصف بعض غلو ، كلا لعمر اللّه ! إنه لأكثر مما وصفت وفوق ما قلت ، وبها عسل أطيب من الماذي
هامش
( 1 ) المقل ( بضم الميم وسكون القاف ) : ثمر الدوم .