تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
المضروب به المثل يعرف عندهم بالمسعودي . وأنواع اللبن بها في نهاية من الطيب ، وكل ما يصنع منها من السمن ، فإنه لا تكاد تميزه من العسل طيبا ولذاذة . ويجلب إليها قوم من اليمن يعرفون بالسرور نوعا من الزبيب الأسود والأحمر في نهاية الطيب ، ويجلبون معه من اللوز كثيرا . وبها قصب السكر أيضا كثير ، يجلب من حيث تجلب البقول التي ذكرناها ، والسكر بها كثير مجلوب ، وسائر النعم والطيبات من الرزق ، والحمد للّه . وأما الحلوى فيصنع منها أنواع غريبة من العسل والسكر المعقود على صفات شتى . إنهم يصنعون بها حكايات جميع الفواكه الرطبة واليابسة . وفي الأشهر الثلاثة : رجب ، وشعبان ، ورمضان ، يتصل منها أسمطة « 1 » بين الصفا والمروة ، ولم يشاهد أحد أكمل منظرا منها لا بمصر ولا بسواها ، قد صورت منها تصاوير إنسانية وفاكهية ، وجليت في منصات كأنها العرائس ، ونضدت بسائر أنواعها المنضدة الملونة ، فتلوح كأنها الأزاهر حسنا ، فتقيد الأبصار وتستنزل الدراهم والدينار . وأما لحوم ضأنها فهناك العجب العجيب ، قد وقع القطع من كل من تطوف على الآفاق وضرب نواحي الأقطار ، أنها أطيب لحم يؤكل في الدنيا . وما ذاك ، واللّه أعلم ، إلا لبركة مراعيها ، هذا على إفراط سمنه ، ولو كان سواه من لحوم البلاد ينتهي ذلك المنتهى في السمن للفظته الأفواه ودكا « 2 » ولعافته وتجنبته . والأمر في هذا بالضد ، كلما ازداد سمنا زادت النفوس فيه رغبة والنفس له قبولا ، فتجده هنيئا رخصا يذوب في الفم قبل أن يلاك مضغا ، ويسرع لخفته عن المعدة انهضاما . وما أرى ذلك إلا من الخواص الغريبة ، وبركة البلد الأمين قد تكلفت بطيبه لا شك فيه . والخبر عنه يضيق عن الخبر له ، واللّه يجعل فيه رزقا لمن تشوق بلدته الحرام ، وتمنى هذه المشاهد العظام ، والمناسك الكرام ، بعزته وقدرته . وهذه الفواكه تجلب إليها من الطائف ، وهي على مسيرة ثلاثة أيام منها ، على الرفق
هامش
( 1 ) أسمطة : جمع سماط ، وهو ما يبسط ليوضع عليه الطعام . ( 2 ) الودك ( بفتح الدال ) : كثرة الدسم . وفي طبعة ( دار ومكتبة الهلال ) وردت ( زهما ) بالمعنى ذاته .