وعلى مقربة من هذا الغار في الجبل بعينه عمود منقطع من الجبل ، قد قام شبه الذراع المرتفعة بمقدار شبه القامة ، وانبسط له في أعلاه شبه الكف ، خارجا عن الذراع ، كأنه القبة المبسوطة ، بقدرة اللّه عز وجل ، يستظل تحتها نحو العشرين رجلا ، وتسمى قبة جبريل ، صلى اللّه عليه وسلم .
ومما يجب أن يثبت ويؤثر ، لبركة معاينته وفضل مشاهدته : أن في يوم الجمعة التاسع عشر من جمادى الأولى ، وهو التاسع من شتنبر « 1 » ، أنشأ اللّه بحرية « 2 » فتشاءمت « 3 » فانهلت عينا غديقة ، كما قال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك أثر صلاة العصر ومع العشي من اليوم المذكور ، فجاءت بمطر جود . وتبادر الناس إلى الحجر فوقفوا تحت الميزاب المبارك متجردين عن ثيابهم ، يتلقون الماء الذي يصبه الميزاب برؤوسهم وأيديهم وأفواههم مزدحمين عليه ازدحاما عظيما ، أحدث ضوضاء عظيمة ، كل يحرص على أن ينال جسمه من رحمة اللّه نصيبا ، ودعاؤهم قد علا ، ودموع أهل الخشوع منهم تسيل ، فلا تسمع إلا ضجيج دعاء ، أو نشيج بكاء . والنساء قد وقفن خارج الحجر ينظرن بعيون دوامع ، وقلوب خواشع ، يتمنين ذلك الموقف لو ظفرن به . وكان بعض الحجاج المتأجرين المشفقين يبل ثوبه بذلك الماء المبارك ويخرج إليهن ويعصره في أيدي البعض منهن ، فيتلقينه شربا ومسحا على الوجوه والأبدان .
وتمادت تلك السحابة المباركة إلى قريب المغرب ، وتمادى الناس على تلك الحال من الازدحام على تلقي ماء الميزاب بالأيدي والوجوه والأفواه ، وربما رفعوا الأواني ليقع فيها . فكانت عشية عظيمة استشعرت النفوس فيها الفوز بالرحمة ثقة بفضله وكرمه لما اقترن بها من القرائن المباركة ، فمنها : أنها كانت عشية الجمعة وفضل اليوم فضله ، والدعاء فيها يرجى من اللّه تعالى قبوله ، لما ورد فيها من الأثر الصحيح ، وأبواب السماء تفتح عند نزول المطر . وقد وقف الناس تحت الميزاب ، وهو من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء ، وطهرت أبدانهم رحمة اللّه النازلة من سمائه إلى سطح بيته العتيق الذي هو
هامش
( 1 ) شتنبر : سبتمبر ، أيلول .
( 2 ) البحرية : السحابة ، ولعله يقصد القادمة من البحر ، أي من جهة الغرب .
( 3 ) تشأّمت وتشاءمت : مالت إلى الشمال ، أي جهة الشام .