تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
ثلثا شبر وطوله ذراع ، فلما اطمأنا فيه ، أمر اللّه العنكبوت فاتخذت عليه بيتا ، والحمام فصنعت عليه عشا وفرخت فيه . فانتهى المشركون إليه بدليل قصّاص للأثر ، مستاف أخلاق الطريق ، فوقف لهم على الغار وقال : ههنا انقطع الأثر ، فإما صعد بصاحبكم من ههنا إلى السماء ، أو غيض به في الأرض . ورأوا العنكبوت ناسجة على فم الغار والحمام مفرخة فيه ، فقالوا : ما دخل هنا أحد . فأخذوا في الانصراف . فقال الصديق ، رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه ! لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع ؟ فقال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم : " لو ولجوا علينا منه كنا نخرج من هناك ، وأشار بيده المباركة الجانب الآخر من الغار ، ولم يكن فيه شق ، فانفتح للحين فيه باب ، بقدرة اللّه عز وجل ، وهو سبحانه قدير على ما يشاء . وأكثر الناس ينتابون هذا الغار المبارك ويتجنبون دخوله من الباب الذي أحدث اللّه عز وجل فيه ، ويرومون دخوله من الشق الذي دخل النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، منه تبركا به . فيمتد المحاول لذلك على الأرض ويبسط خده بإزاء الشق ويولج يديه ورأسه أولا ثم يعالج إدخال سائر جسده . فمنهم من يتأتى له ذلك بحسب قضافة « 1 » بدنه ، ومنهم من يتوسط بدنه فم الغار فيعضه ، فيروم الدخول أو الخروج فلا يقدر ، فينشب ويلاقي مشقة وصعوبة ، حتى يتناول بالجذب العنيف من ورائه . فالعقلاء من الناس يجتنبونه لهذا السبب ، ولا سيما يتصل به سبب آخر مخجل فاضح ، وذلك أن عوام الناس يزعمون أن الذي لا يسع عليه ويمتسك فيه ولا يلجه ليس لرشدة « 2 » . جرى هذا الخبر على ألسنتهم حتى عاد عندهم قطعا على صحته لا يشكون . فبحسب المنتشب « 3 » فيه المتعذر ولوجه عليه ما يكسوه هذا الظن الفاضح المخجل ، زائدا ما يكابده بدنه من اللز في ذلك المضيق وإشرافه منه على المنية توجعا وانقطاع نفس وبرح ألم . فالبعض من الناس يقولون في مثل : ليس يصعد جبل أبي ثور إلا ثور .
هامش
( 1 ) القضافة : النحافة والرقة . ( 2 ) الرشدة : ضد الغي والزنى . ( 3 ) المنتشب : العالق الذي الذي لا يستطيع النفاذ أو المرور .