تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
وفي إثر كل صلاة مغرب ، يقف المؤذن الزمزمي في سطح قبة زمزم ، ولها مطلع على أدراج من عود في الجهة التي تقابل باب الصفا ، رافعا صوته بالدعاء للإمام العباسي أحمد الناصر لدين اللّه ، ثم للأمير مكثر ، ثم لصلاح الدين أمير الشام وجهات مصر كلها واليمن ، ذي المآثر الشهيرة والمناقب الشريفة . فإذا انتهى إلى ذكره بالدعاء ، ارتفعت أصوات الطائفين بالتأمين بألسنة تمدها القلوب الخالصة والنيات الصادقة . وتخفق الألسنة بذلك خفقا يذيب القلوب خشوعا ، لما وهب اللّه لهذا السلطان العادل من الثناء الجميل ، وألقى عليه من محبة الناس وعباد اللّه شهدائه في أرضه . ثم يصل ذلك بدعاء لأمراء اليمن من جهة صلاح الدين ، ثم لسائر المسلمين والحجاج والمسافرين ، وينزل . هكذا دأبه دائما أبدا . وفي القبة العباسية المذكورة خزانة تحتوي على تابوت مبسوط متسع ، وفيه مصحف أحد الخلفاء الأربعة أصحاب رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، وبخط يد زيد بن ثابت ، رضي اللّه عنه ، منتسخ سنة ثماني عشرة من وفاة رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، وينقص منه ورقات كثيرة . وهو بين دفتي عود مجلد بمغاليق من صفر ، كبير الورقات واسعها ، عايناه وتبركنا بتقبيله ومسح الخدود فيه . نفع اللّه بالنية في ذلك . وأعلمنا صاحب القبة المتولي لعرضه علينا : أن أهل مكة متى أصابهم قحط أو نالتهم شدة في أسفارهم أخرجوا المصحف المذكور ، وفتحوا باب البيت الكريم ، ووضعوه في القبة المباركة مع المقام الكريم : مقام الخليل إبراهيم ، صلى اللّه على نبينا وعليه ، واجتمع الناس كاشفين رؤوسهم داعين متضرعين ، وبالمصحف الكريم والمقام العظيم إلى اللّه متوسلين . فلا ينفصلون عن مقامهم ذلك إلا ورحمة اللّه ، عز وجل ، قد تداركتهم . واللّه لطيف بعباده ، لا إله سواه . وبإزاء الحرم الشريف ديار كثيرة ، لها أبواب يخرج منها إليه . وناهيك بهذا الجوار الكريم ، كدار زبيدة ودار القاضي ودار تعرف بالعجلة وسواها من الديار . وحول الحرم أيضا ديار كثيرة تطيف به ، لها مناظر وسطوح يخرج منها إلى سطح الحرم فيبيت أهلها فيه ويبردون ماءهم في أعالي شرفاته . فهم من النظر إلى البيت العتيق دائما في عبادة متصلة ، واللّه يهنئهم ما خصهم به من مجاورة بيته الحرام بمنّه وكرمه .