لضيق وقتها : يبدأ مؤذن الشافعي بالإقامة ، ثم يقيم مؤذنو سائر الأئمة . وربما دخل في هذا الصلاة على المصلين سهو وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كل جهة . فربما ركع المالكي بركوع الشافعي أو الحنفي أو سلم أحدهم بغير سلام إمامه . فترى كل أذن مصيخة لصوت إمامها أو صوت مؤذنه مخافة السهو . ومع هذا فيحدث السهو على كثير من الناس . ثم المالكي ، رحمه اللّه ، وهو يصلي قبالة الركن اليماني ، وله محراب حجر يشبه محاريب الطرق الموضوعة فيها . ثم الحنفي ، رحمه اللّه ، وصلاته قبالة الميزاب تحت حطيم مصنوع له . وهو أعظم الأئمة أبهة وأفخرهم آلة من الشمع وسواها ، بسبب أن الدولة الأعجمية كلها على مذهبه ، فالاحتفال له كثير ، وصلاته آخرا . ثم الحنبلي ، رحمه اللّه ، وصلاته مع صلاة المالكي في حين واحد ، وموضع صلاته يقابل ما بين الحجر الأسود والركن اليماني . ويصلي الظهر والعصر قريبا من الحنفي في البلاط الآخذ من الغرب إلى الشمال ، والحنفي يصليهما في البلاط الآخذ من الغرب إلى الجنوب قبالة محرابه ولا حطيم له . وللشافعي بإزاء المقام حطيم حفيل . وصفة الحطيم خشبتان ، موصول بينهما بأذرع شبه السلم ، تقابلهما خشبتان على تلك الصفة ، قد عقدت هذه الخشب على رجلين من الجص غير بائنة الارتفاع . واعترض في أعلى الخشب خشبة مسمرة فيها ، قد نزلت منها خطاطيف حديد ، فيها قناديل معلقة من الزجاج . وربما وصل بالخشبة المعترضة العليا شباك مشرجب بطول الخشبة .
وللحنفي بين الرجلين الجصيتين المعتقدتين على الخشب محراب يصلى فيه .
وللحنبلي حطيم معطل ، هو قريب من حطيم الحنفي . وهو منسوب لرامشت أحد الأعاجم ذوي الثراء ، وكانت له في الحرم آثار كريمة من النفقات ، رحمه اللّه . ويقابل الحجر حطيم معطل أيضا ، ينسب للوزير المقدم بهذا اللفظ المجهول .
ويطيف بهذه المواضع كلها ، دائر البيت العتيق وعلى بعد منه يسيرا ، مشاعيل توقد في صحاف حديد فوق خشب مركوزة ، فيتقد الحرم الشريف كله نورا . ويوضع الشمع بين أيدي الأئمة في محاريبهم . والمالكي أقلهم شمعا ، وأضعفهم حالا ، لأن مذهبه في هذه البلاد غريب . والجمهور على مذهب الشافعي ، وعليه علماء البلاد وفقهاؤها ، إلا الإسكندرية وأكثر أهلها مالكيون وبها الفقيه ابن عوف ، وهو شيخ كبير من أهل العلم ، بقية الأئمة المالكية .
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 77
مساهمون: ابن جبير
ص٧٧