تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
فرط الطرب والارتياح ، إلقاء الفراش بنفسه على المصباح . فعادت أحوال السرو اليمنيين في دخولهم البيت المبارك على الصفة المتقدمة الذكر ، حال تؤدة ووقار بالإضافة إلى هؤلاء الأعاجم الأغتام « 1 » ، نفعهم اللّه بنياتهم ، وقد فقد منهم في ذلك المزدحم الشديد من دنا أجله ، واللّه يغفر للجميع . وربما زاحمهم في تلك الحال بعض نسائهم فيخرجن وقد نضجت جلودهن طبخا في مضيق ذلك المعترك الذي حمي بأنفاس الشوق وطيشه ، واللّه ينفع الجميع بمعتقده وحسن مقصده بعزته . وفي ليلة الخميس الخامس عشر من الشهر المبارك ، إثر صلاة العتمة ، نصب منبر الوعظ أمام المقام ، فصعد واعظ خراساني حسن الشارة مليح الإشارة ، يجمع بين اللسانين عربي وعجمي ، فأتى في الحالين بالسحر الحلال من البيان ، فصيح المنطق ، بارع الألفاظ ، ثم يقلب لسانه للأعاجم بلغتهم فيهزهم إطرابا ويذيبهم زفرات وانتحابا . فلما كانت الليلة الأخرى بعدها وضع منبر آخر خلف حطيم الحنفي ، فصعد إثر صلاة العتمة أيضا شيخ أبيض السبال ، رائع الجلال ، بارع التمام في الفضل والكمال ، فصدع بخطبة انتظمت آية الكرسي كلمة كلمة ، ثم تصرف في أساليب الوعظ وأفانين من العلم باللسانين أيضا ، حرك بها القلوب حتى أطارها وأورثها احتداما بالخشية بعد استعارها . وفي أثناء ذلك ترشقه سهام من المسائل فيتلقاها بمجن من الجواب السريع البليغ ، فتحار له الألباب ، ويملك كل نفس منه الإغراب والإعجاب ، فكأنما هو وحي يوحى . وهذا الذي مشى به وعاظ هذه الجهات المشرقية من إلقاء المسائل إليهم وإفاضة شآبيب الامتحان عليهم ، من أعجب الأمور المعربة عن غريب شأنهم والناطقة بسحر بيانهم . وليست في فن واحد ، إنما هي من فنون شتى . وربما قصد بها التعنيت والتنكيب فيأتون بالجواب كخطفة البرق وارتداد الطرف ، والفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء . وبين أيدي هؤلاء الوعاظ قرّاء ينغمون بالقراءة فيأتون بألحان تكسب الجماد طربا
هامش
( 1 ) الأغتام : جمع أغتم وهو الأعجمي الذي لا يفصح بكلامه .