وانتهب بعض أمتعة التجار ، لأن منى في تلك الأيام الثلاثة سوق من أعظم الأسواق يباع فيها من الجوهر النفيس إلى أدنى الخرز ، إلى غير ذلك من الأمتعة وسائر سلع الدنيا ، لأنها مجتمع أهل الآفاق . فوقى اللّه شر تلك الفتنة بتسكينها سريعا . وكانت عين الكمال في تلك الوقفة الهنيئة ، وكمل للناس حجّهم ، والحمد للّه رب العالمين .
وفي يوم السبت ، يوم النحر المذكور ، سيقت كسوة الكعبة المقدسة من محلة الأمير العراق إلى مكة على أربعة جمال ، تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السّوادية ، والرايات على رأسه ، والطبول تهر وراءه ، وابن عمّ الشيبي محمد بن إسماعيل معها ، لأنه ذكر أن أمر الخليفة نفذ بعزله عن حجابة البيت لهنات اشتهرت عنه ، واللّه يطهر بيته المكرم بمن يرضى من خدّامه بمنه . وهذا ابن العمّ المذكور هو أشبه طريقة منه وأمثل حالا ، وقد تقدم ذكر ذلك في العزلة الأولى . فوضعت الكسوة في السطح المكرم أعلى الكعبة . فلما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المبارك المذكور ، اشتغل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة تقيد الأبصار حسنا ، في أعلاها رسم أحمر واسع مكتوب في الصفح الموجه إلى المقام الكريم حيث الباب المكرم ، وهو وجهها المبارك ، بعد البسملة :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
« 1 » الآية ، وفي سائر الصفحات اسم الخليفة والدعاء له ، وتحف بالرسم المذكور طرتان حمراوان بدوائر صغار بيض فيها رسم بخط رقيق يتضمن آيات من القرآن وذكر الخليفة أيضا . فكملت كسوتها ، وشمرت أذيالها الكريمة صونا من أيدي الأعاجم وشدة اجتذابها وقوة تهافتها عليها وانكبابها . فلاح للناظرين منها أجمل منظر ، كأنها عروس جليت في السندس الأخضر ، أمتع اللّه بالنظر إليها كل مشتاق لقائها حريص على المثول بفنائها بمنه .
وفي هذه الأيام يفتح البيت الكريم كل يوم للأعاجم العراقيين والخراسانيين وسواهم من الواصلين مع الأمير العراقي . فظهر من تزاحمهم وتطارحهم على الباب الكريم ، ووصول بعضهم على بعض ، وسباحة بعضهم على رؤوس بعض كأنهم في غدير من الماء ، أمر لم ير أهول منه ، يؤدي إلى تلهف المهج وكسر الأعضاء . وهم في خلال ذلك لا يبالون ولا يتوقفون ، بل يلقون بأنفسهم على ذلك البيت الكريم ، من
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 96 .