تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
ذلك نحو المائة بعير . وأمورها يطول وصفها ، وسنها نحو خمسة وعشرين عاما . ولخاتون الثانية ، أم عز الدين صاحب الموصل ، زوج قطب الدين ابن أتابك « 1 » أخي نور الدين الذي كان صاحب الشام ، رحمه اللّه ، ولهذه أفعال كثيرة من البر . وخاتون الثالثة ابنة الدقوس ، صاحب أصبهان من بلاد خراسان ، وهي أيضا كبيرة القدر ، عظيمة الشأن ، منافسة في أفعال البر . وشأنهن جمع عجيب جدا فيما هن بسبيله من الخيل والاحتفال في الأبهة الملوكية . ثم أقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين لذي الحجة المذكور ونزلنا بمقربة من عسفان ، ثم أسرينا إليها نصف الليل وصبحناها بكرة يوم الأحد . وهي في بسيط من الأرض بين جبال ، وبها آبار معينة تنسب لعثمان ، رضي اللّه عنه ، وشجر المقل فيها كثير . وبها حصن عتيق البنيان ، ذو أبراج مشيدة ، غير معمور ، قد أثر فيه القدم ، وأوهته قلة العمارة ولزوم الخراب . فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين . فلما كان إثر صلاة الظهر أقلعنا إلى خليص ، فوصلناها عشي النهار . وهي أيضا في بسيط من الأرض ، كثيرة حدائق النخل ، لها جبل فيه حصن مشيد في قنته . وفي البسيط حصن آخر قد أثر فيه الخراب . وبها عين فوارة قد أحدثت لها أخاديد في الأرض مسربة ، يستقى منها على أفواه كالآبار ، يجدد الناس بها الماء لقلته في الطريق بسبب القحط المتصل ، واللّه يغيث بلاده وعباده . وأصبح الناس بها مقيمين يوم الاثنين لإرواء الإبل واستصحاب الماء . وهذه الجملة العراقية ، ومن انضاف إليها من الخراسانية والمواصلة وسائر جهات الآفاق ، من الواصلين صحبة أمير الحاج المذكور جمع لا يحصي عدده إلا اللّه تعالى ، يغص بها البسيط الأفيح ، ويضيق عنهم المهمة « 2 » الصحصاح ، فترى الأرض تميد بهم ميدا ، وتموج بجميعهم موجا ، فتبصر منهم بحرا طامي العباب ، ماؤه السراب ، وسفنه الركاب ، وشرعه الظلائل المرفوعة والقباب ، تسير سير السحب المتراكمة ، يتداخل بعضها على بعض ، ويضرب بعضها جوانب بعض . فتعاين لها تزاحما في البراح المنفسح
هامش
( 1 ) أتابك ( كلمة تركية ) منحوتة من كلمتين : ( أتا ) ومعناها : ( أب ) ، وبك ومعناها : أمير . ( 2 ) المهمة : المفازة والصحراء . والصحصاح : الأرض المستوية .