تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
ورمي هذه الجمرة عند طلوع الشمس من يوم النحر . ثم توجه أكثر الناس لطواف الإفاضة ، ومنهم من أقام اليوم الثاني ، ومنهم من أقام اليوم الثالث ، وهو يوم الانحدار إلى مكة . فلما كان اليوم الثاني من يوم النحر ، عند زوال الشمس ، رمى الناس بالجمرة الأولى سبع حصيات ، وبالجمرة الوسطى كذلك ، وبهاتين الجمرتين يقفون للدعاء ، وبجمرة العقبة كذلك ولا يقفون بها ، اقتداء في ذلك كله بفعل النبي ، صلى اللّه عليه وسلم . فتعود جمرة العقبة في هذين اليومين أخيرة ، وهي يوم النحر أولى منفردة لا يخلط معها سواها . وفي اليوم الثاني من يوم النحر ، بعد رمي الجمرات ، خطب الخطيب بمسجد الخيف ، ثم جمع بين الظهر والعصر ، وهذا الخطيب وصل مع الأمير العراقي مقدما من عند الخليفة للخطبة والقضاء بمكة على ما يذكر ، ويعرف بتاج الدين . وظاهر أمره البلادة والبله لأن خطبته أعربت عن ذلك ، ولسانه لا يقيم الإعراب .

العودة إلى مكة

فلما كان اليوم الثالث تعجل الناس في الانحدار إلى مكة ، بعد أن كمل لهم رمي تسع وأربعين جمرة : سبع منها يوم النحر بالعقبة ، وهي المحللة ؛ ثم إحدى وعشرون في اليوم الثاني ، بعد زوال الشمس ، سبعا سبعا في الجمرات الثلاث ؛ وفي اليوم الثالث كذلك ، ونفروا إلى مكة ؛ فمنهم من صلى العصر بالأبطح ، ومنهم من صلاها بالمسجد الحرام ، ومنهم من تعجل فصلى الظهر بالأبطح . ومضت السنّة قديما بإقامة ثلاثة أيام ، بعد يوم النحر ، بمنى لإكمال رمي سبعين حصاة ، فوقع التعجيل في هذا الزمان في اليومين كما قال اللّه تبارك وتعالى :
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
« 1 » ، وذلك مخافة بني شعبة وما يطرأ من حرّابة المكيين . وقد كانت في يوم الانحدار المذكور ، بين سودان أهل مكة وبين الأتراك العراقيين ، جولة وهوشة وقعت فيها جراحات وسلت السيوف وفوقت القسي ورميت السهام
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 203 .
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 140 | ابن جبير