الأشياخ المجاورين أنهم لم يعاينوا قط في عرفات جمعا أحفل منه ، ولا كان من عهد الرشيد ، الذي هو آخر من حج من الخلفاء ، جمع في الإسلام مثله ، جعله اللّه جمعا مرحوما معصوما بعزته .
فلما جمع بين الظهر والعصر يوم الجمعة المذكور وقف الناس خاشعين باكين ، وإلى اللّه عز وجل في الرحمة متضرعين ، والتكبير قد علا ، وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع فما رئي يوم أكثر مدامع ، ولا قلوبا خواشع ، ولا أعناقا لهيبة اللّه خوانع خواضع من ذلك اليوم . فما زال الناس على تلك الحالة ، والشمس تلفح وجوههم إلى أن سقط قرصها وتمكن وقت المغرب . وقد وصل أمير الحاج مع جملة من جنده الدارعين ووقفوا بمقربة من الصخرات عند المسجد الصغير المذكور . وأخذ السرو اليمنيون موافقهم بمنازلهم المعلومة لهم في جبال عرفات المتوارثة عن جدّ فجدّ من عهد النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، لا تتعدى قبيلة على منزل أخرى .
موكب الأمير العراقي
وكان المجتمع منهم في هذا العام عددا لم يجتمع قط مثله . وكذلك وصل الأمير العراقي في جمع لم يصل قط مثله ، ووصل معه من أمراء الأعاجم الخراسانيين ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين ، واحدتهن خاتون ، ومن السيدات بنات الأمراء كثير ، ومن سائر العجم عدد لا يحصى . فوقف الجميع وقد جعلوا قدوتهم في النفر الإمام المالكي ، لأنه مذهب مالك ، رضي اللّه عنه ، يقتضي أن لا ينفر حتى يتمكن سقوط القرص ويحين وقت المغرب . ومن السرو اليمنيين من نفر قبل ذلك . فلما أن حان الوقت أشار الإمام المالكي بيديه ونزل عن موقفه ، فدفع الناس بالنفر دفعا ، ارتجت له الأرض ووجفت الجبال . فيا له موقفا ما أهون مرآه وأرجى في النفوس عقباه ! جعلنا اللّه ممن خصه فيه برضاه ، وتغمده بنعماه ، إنه منعم كريم ، حنان منان .
وكانت محلة هذا الأمير العراقي جميلة المنظر ، بهية العدة ، رائقة المضارب والأبنية ، عجيبة القباب والأروقة ، على هيئات لم ير أبدع منها منظرا . فأعظمها مرأى مضرب