تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
المحلات للحاج ما حرم عليه سوى النساء والطيب ، فتلك تكملة تسع وأربعين جمرة . وفي إثر ذلك ينفصل الحاج إلى مكة من ذلك اليوم . واختصر في هذا الزمان إحدى وعشرون ، كانت ترمى في اليوم الرابع على الترتيب المذكور ، وذلك لاستعجال الحاج خوفا من العرب الشعبيين ، إلى غير ذلك من محذورات الفتن المغيرات لآثار السنن . فمضى العمل اليوم على تسع وأربعين حصاة ، وكانت في القديم سبعين ، واللّه يهب القبول لعباده . والصادر من عرفات إلى منى أول ما يلقي الجمرة الأولى ثم الوسطى ، ثم جمرة العقبة . وفي يوم النحر تكون جمرة العقبة أولى منفردة بسبع حصيات ، حسبما تقدم ذكره . ولا يشترك معها سواها في ذلك اليوم ، ثم في اليومين بعده ترجع الآخرة ، على الترتيب حسبما وصفناه ، بحول اللّه عز وجل . وبعد الجمرة الأولى يعرج عن الطريق يسيرا ويلقى منحر الذبيح ، صلى اللّه عليه وسلم ، حيث فدي بالذبح العظيم . وعلى الموضع المبارك مسجد مبني ، وهو بمقربة من سفح ثبير . وفي موضع المنحر المذكور حجر قد ألصق بالجدار المبني ، فيه أثر قدم صغيرة ، يقال : إنه أثر قدم الذبيح ، صلى اللّه عليه وسلم ، عند تحركه ، فلان الحجر له بقدرة اللّه ، عز وجل ، إشفاقا وحنانا ، فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله . ويفضى من ذلك إلى مسجد الخيف المبارك ، وهو آخر منى في توجهك ، أعني من المعمورة منها بالبنيان . وأما الآثار القديمة فآخذة إلى أبعد غاية أمام المسجد . وهذا المسجد المبارك متسع الساحة كأكبر ما يكون من الجوامع . والصومعة وسط رحبة المسجد . وله في القبلة أربع بلاطات يشملها سقف واحد . وهو من المساجد الشهيرة بركة وشرف بقعة . وكفى بما ورد في الأثر الكريم من أن بقعته الطاهرة مدفن كثير من الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم . وبمقربة منه عن يمين المار في الطرق ، حجر كبير مسند إلى صفح الجبل مرتفع عن الأرض يظل ما تحته ، ذكر أن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، قعد تحته مستظلا ومس رأسه المكرم فيه فلان له حتى أثر فيه تأثيرا بقدر دور الرأس . فيبادر الناس لوضع رؤوسهم في ذلك الموضع تبركا واستجارة لها بموضع مسه الرأس المكرّم أن لا تمسها النار بقدرة اللّه ، عز وجل . فلما قضينا معاينة هذه المشاهد الكريمة أخذنا في الانصراف مستبشرين بما وهبنا