تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
أئمة ، أولهم إمام الفريضة ، وأوسطهم صاحبنا الفقيه الزاهد الورع أبو جعفر بن علي الفنكي القرطبي ، وقراءته ترقّ الجمادات خشوعا . وهذه الفرقعة المذكورة تستعمل في هذا الشهر المبارك ، وذلك أنه يضرب بها ثلاث ضربات عند الفراغ من أذان المغرب ، ومثلها عند الفراغ من أذان العشاء الآخرة . وهي لا محالة من جميلة البدع المحدثة في هذا المسجد المعظم ، قدسه اللّه . والمؤذن الزمزمي يتولى التسحير في الصومعة التي في الركن الشرقي من المسجد بسبب قربها من دار الأمير ، فيقوم في وقت السحور فيها داعيا ومذكرا ومحرضا على السحور ومعه أخوان صغيران يجاوبانه ويقاولانه ، وقد نصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة في رأسها عود كالذراع وفي طرفيه بكرتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يقدان مدة التسحير . فإذا قرب تبين خيطي الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة ، حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ بالأذان ، وثوّب المؤذنون من كل ناحية بالأذان . وفي ديار مكة كلها سطوح مرتفعة ، فمن لم يسمع نداء التسحير ممن يبعد مسكنه من المسجد يبصر القنديلين يقدان في أعلى الصومعة ، فإذا لم يبصرهما علم أن الوقت قد انقطع .

أخو صلاح الدين

وفي ليلة الثلاثاء من الشهر مع العشيّ ، طاف الأمير مكثر بالبيت مودعا ، وخرج للقاء الأمير سيف الإسلام طغتكين بن أيوب ، أخي صلاح الدين ، وقد تقدم الخبر بوروده من مصر منذ مدة ثم تواتر إلى أن صحّ وصوله إلى الينبوع ، وأنه عرج إلى المدينة لزيارة الرسول ، صلى اللّه عليه وسلم ، وتقدمت أثقاله إلى الصفراء . والمتحدث به في وجهته قصد اليمن لاختلاف وقع فيها وفتنة حدثت من أمرائها . لكن وقع في نفوس المكيين منه إيجاس ، خيفة واستشعار خشية ، فخرج هذا الأمير المذكور متلقيا ومسلما ، وفي الحقيقة مستسلما ، واللّه تعالى عرف المسلمين خيرا . وفي ضحوة يوم الأربعاء الثالث من الشهر المبارك المذكور ، كنا جلوسا بالحجر