تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
إن كان سوء الفعال أبعدني * فحسن ظني إليك قرّبني
ويردد ذلك بلحن يتصدع له الجماد وينشق عليه الفؤاد . ومضى في ترديد ذلك البيت ودموعه تكف وصوته يرق ويضعف إلى أن وقع في نفس أحمد بن حسان المذكور أنه سيغشى عليه ؛ فما كان بين اعتراض هذا الخاطر بنفسه وبين وقوع الرجل مغشيا عليه من المصطبة إلى الأرض إلا كلا ولا ، وبقي ملقى كأنه لقى لا حراك به . فقام ابن حسان مذعورا لهول ما عاينه ، مترددا في حياة الرجل أو موته لشدة تلك الوجبة ، والموضع من الأرض بائن الارتفاع ، وقام أحد من كان بإزائه نائما ، وأقاما متحيرين ولم يقدما على تحريك الرجل ولا على الدنو منه ، إلى أن أجازت امرأة أعجمية ، وقالت : هكذا تتركون هذا الرجل على مثل هذا الحال ؟ وبادرت إلى شيء من ماء فنضحت به وجهه . ودنا المذكوران منه وأقاماه ، فعند ما أبصرهما زوى وجهه للحين عنهما ، مخافة أن تثبت له صفة في أعينهما ، وقام من فوره آخذا إلى جهة باب بني شيبة . وبقيا متعجبين مما شاهداه ، وعض ابن حسان بنان الأسف على ما فاته من بركة دعائه ، إذ لم يمكنه الحال استدعاءه منه ، وعلى أنه لم تثبت له صورة في نفسه ، فكان يتبرك به متى لقيه . ومقامات هؤلاء الأعاجم ، في رقة الأنفس وتأثرها وسرعة انفعالها وشدة مجاهداتها في العبادات وطول مثابراتها على أفعال البر وظهور بركاتها ، مقامات عجيبة شريفة ، والفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء . وفي سحر يوم الخميس الثالث عشر « 1 » من الشهر المذكور كسف القمر وانتهى الكسوف منه إلى مقدار ثلثيه ، وغاب مكسوفا عند طلوع الشمس ، واللّه يلهمنا الاعتبار بآياته .

شهر رمضان المعظم عرفنا اللّه بركته

استهل هلاله ليلة الاثنين التاسع عشر لدجنبر ، عرّفنا اللّه فضله وحقه ورزقنا القبول فيه . وكان صيام أهل مكة له يوم الأحد بدعوى في رؤية الهلال لم تصح ، لكن
هامش
( 1 ) الكسوف لا يحدث قبل اليوم الرابع عشر ، ويبدو واضحا أن في تقدير التاريخ خطأ .