أمضى الأمير ذلك ووقع الإيذان بالصوم بضرب دبادبه ليلة الأحد المذكور لموافقته مذهبة ومذهب شيعته العلويين ومن إليهم ، لأنهم يرون صيام يوم الشك فرضا ، حسبما يذكر ، واللّه أعلم بذلك .
ووقع الاحتفال في المسجد الحرام لهذا الشهر المبارك ، وحق ذلك من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعيل وغير ذلك من الآلات حتى تلألأ الحرم نورا وسطع ضياء ، وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقا ؛ فالشافعية فوق كل فرقة منها قد نصبت إماما لها في ناحية من نواحي المسجد ؛ والحنبلية كذلك ؛ والحنفية كذلك ، والزيدية ، وأما المالكية فاجتمعت على ثلاثة قراء يتناوبون القراءة ، وهي في هذا العالم أحفل جمعا وأكثر شمعا ، لأن قوما من التجار المالكيين تنافسوا في ذلك فجلبوا لإمام الكعبة شمعا كثيرا من أكبره شمعتان نصبتا أمام المحراب فيها قنطار وقد حفت بهما شمع دونهما صغار وكبار . فجاءت جهة المالكية تروق حسنا وترتمي الأبصار نورا ، وكاد لا يبقى في المسجد زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يصلي بجماعة خلفه ، فيرتج المسجد لأصوات القراءة من كل ناحية ، فتعاين الأبصار ، وتشاهد الأسماع من ذلك مرأى ومستمعا تنخلع له النفوس خشية ورقة .
ومن الغرباء من اقتصر على الطواف والصلاة في الحجر ولم يحضر التراويح ، ورأى أن ذلك أفضل ما يغتنم ، وأشرف عمل يلتزم ، وما بكل مكان يوجد الركن الكريم والملتزم .
والشافعي في التراويح أكثر الأئمة اجتهادا ، وذلك أنه يكمل التراويح المعتادة التي هي عشر تسليمات ويدخل الطواف مع جماعة . فإذا فرغ من الأسبوع وركع ، عاد لإقامة تراويح أخر وضرب بالفرقعة الخطيبية المتقدمة الذكر ضربة يسمعها المسجد لعلو صوتها ، كأنها إيذان بالعود الصلاة ، فإذا فرغوا من تسليمتين ، عادوا لطواف أسبوع ، فإذا كملوه ضربت الفرقعة وعادوا الصلاة تسليمتين ، عادوا لطواف ، هكذا إلى أن يفرغوا من عشر تسليمات ، فيكمل لهم عشرون ركعة ، ثم يصلون الشفع والوتر وينصرفون .
وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئا ، والمتناوبون لهذه التراويح المقامية خمسة
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 112
مساهمون: ابن جبير
ص١١٢