وأما صلاتهم فلم يذكر في مضحكات الأعراب أظرف منها ، وذلك أنهم يستقبلون البيت الكريم فيسجدون دون ركوع وينقرون بالسجود نقرا ، ومنهم من يسجد السجدة الواحدة ومنهم من يسجد الاثنتين والثلاث والأربع ثم يرفعون رؤوسهم من الأرض قليلا وأيديهم مبسوطة عليها ، ويلتفتون يمينا وشمالا التفات المروع ، ثم يسلمون أو يقومون دون تسليم ولا جلوس للتشهد . وربما تكلموا في أثناء ذلك ، وربما رفع أحدهم رأسه من سجوده إلى صاحبه وصاح به ووصاه بما شاء ، ثم عاد إلى سجوده ، إلى غير ذلك من أحوالهم الغريبة .
ولا ملبس لهم سوى أزر وسخة أو جلود يستترون بها . وهم مع ذلك أهل بأس ونجدة ، لهم القسي العربية الكبار كأنها قسي القطانين « 1 » لا تفارقهم في أسفارهم ، فمتى رحلوا إلى الزيارة هاب أعراب الطريق الممسكون للحاج مقدمهم ، وتجنبوا اعتراضهم ، وخلوا لهم عن الطريق . ويصحبهم الحجاج الزائرون فيحمدون صحبتهم . وعلى ما وصفنا من أحوالهم ، فهم أهل اعتقاد للإيمان صحيح . وذكر أن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، ذكرهم وأثنى عليهم خيرا ، وقال : " علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء . " وكفى بأن دخلوا في عموم قوله ، صلى اللّه عليه وسلم : " الإيمان يمان " إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في اليمن وأهله . وذكر أن عبد اللّه بن عمر ، رضي اللّه عنهما ، كان يحترم وقت طوافهم ويتحرى الدخول في جملتهم تبركا بأدعيتهم ، فشأنهم عجيب كله .
وشاهدنا منهم صبيا في الحجر قد جلس إلى أحد الحجاج يعلمه فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص ، فكان يقول له : قل هو اللّه أحد فيقول الصبي : هو اللّه أحد فيعيد عليه المعلم ، فيقول له : ألم تأمرني بأن أقول : هو اللّه أحد ؟ قد قلت . فكابد في تلقينه مشقة ، وبعد لأي ما علقت بلسانه . وكان يقول له : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الحمد للّه رب العالمين ، فيقول الصبي : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، والحمد للّه . فيعيد عليه المعلم ، ويقول له : لا تقل : والحمد للّه إنما قل : الحمد للّه فيقول الصبي : إذا قلت بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أقول : والحمد للّه ، للاتصال ، وإذا لم أقل بسم اللّه ، وبدأت قلت :
هامش
( 1 ) الصحيح : قاطنين أو قطان ( بضم القاف ) وهو جمع قاطن ، ومعناه المجاور أو المقيم في مكة .