الرّدعي والجبائي . وأسند إلى القاضي القضاء المدني ، والقضاء الدّيني للحدود بالقدر الذي كان مطبّقا .
إذا حدث أن تدخّل الخليفة - في بعض المرّات - لتعيين القضاة في العهد العباسي أو العهد الأموي ، فإنّ ما كان شائعا هو أن تعيين هؤلاء يعود إلى الوالي « 1 » . وبالرّغم من ذلك ، فإن منصب القاضي الذي يعتمد في نشاطه على القانون الإيجابي المهيّأ خارج الدولة ، والمأخوذ عن المذاهب المشرقية ، لم يكن بناء على ذلك خارجا عن تدخلات الولاة وسلطانهم . على أنّ القاضي كان منذ ذلك الوقت أكثر من موظّف عادي ، وحتى وإن كان موظفا فهو ذو اعتبار . وقد جسّد بعض هؤلاء القضاة المتمتّعين بهالة أخلاقية دون منازع ، المجموعة الإسلامية التي قادوها في أوقات الأزمة مثل أبي كريب الذي يمثل أحسن مثال الشجاعة وحسّ المواطنة « 2 » .
ما يجب أن نشدّد عليه ، هو أنه مع توسّع مهامّ القاضي ونفوذه ، وكلما غصنا في الزمن ، وجدنا في عصر الولاة عناصر من شأنها أن تهيء لقدوم كبار قضاد الأغالبة .
بحكم اندماجها المتأخر في المجال الإمبراطوري للخلفاء ، كان لا بد لإفريقية أن يتأخر زمنيا قيام مؤسساتها . فكانت التنظيمات التي طبقت في هذه الولاية متناغمة وناجعة في جملتها ، إذ استجابت للتمشي العربي الشامل المحدث في الإطار المشرقي ، إلّا أنّ هذه التنظيمات تفرض عليها أيضا التأقلم مع الظروف المحلية ، والاعتماد - لوقت ما على الأقل - على الإرث الروماني - البيزنطي الذي ظلّ مع ذلك تأثيره ضعيفا في الجملة . على خلاف المريطانيتين القديمتين ، أثبتت إفريقية وجودها كنواة مركزية الأكثر تجسيدا للتنظيمات العربية . وفي هذا المعنى ، جاء المجهود الثابت واللّافت للنظر للغزاة الجدد فيما يتعلق بقدرتهم على
هامش
( 1 ) المالكي ، رياض ، ص 72 و 111 ؛ أبو العرب ، طبقات ، ص 34 و 35 .
( 2 ) المالكي ، ص 107 - 110 .