والكلام في هذا ينبنى على قاعدتين عظيمتين :
الأولى : أن تعرف أن الكفّار الذين قاتلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعرفون اللّه ، ويعظّمونه ، ويحجّون ، ويعتمرون ، ويزعمون أنهم على دين إبراهيم الخليل ، وأنهم يشهدون أنه لا يخلق ، ولا يرزق ، ولا يدبّر إلا اللّه وحده لا شريك له ، كما قال تعالى :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
، الآية .
فإذا عرفت أن الكفار يشهدون بهذا كله فاعرف :
القاعدة الثانية : وهي أنهم يدعون الصالحين ، مثل : الملائكة ، وعيسى ، وعزير ، وغيرهم . وكل من ينتسب إلى شئ من هؤلاء سمّاه إلها ، ولا يعنى بذلك أنه يخلق أو يرزق ، بل يدعون الملائكة وعيسى ، ويقو لون :
هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه . ويقو لون :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
.
والإله في لغتهم هو الذي يسمّى في لغتنا : « الذي فيه سرّ » ، والذي يسمونه الفقراء : « شيخهم » يعنون بذلك أنه يدعى وينفع ويضرّ ، وإلا فإنهم مقرّون للّه بالتفرّد بالخلق والرزق . وليس ذلك معنى الإله ، بل الإله :
المقصود المدعوّ المرجوّ ، لكن المشركون في زماننا أضلّ من الكفار الذين في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، من وجهين :
أحدهما : أن الكفار إنما يدعون الأنبياء والملائكة في الرّخاء ، وأمّا في الشدائد فيخلصون للّه الدين ، كما قال تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
، الآية .
والثاني : أن مشركي زماننا يدعون أناسا لا يوازنون عيسى والملائكة .
وإذا عرفتم هذا فلا يخفى عليكم ما ملأ الأرض من الشرك الأكبر ، عبادة