قال ابن عباس :
« خَلَقْناكُمْ »
يعنى آدم و
« صَوَّرْناكُمْ »
[ يعنى ذريته ] « 1 » ، ومثال هذا ما قال مجاهد :
« خَلَقْناكُمْ »
يعنى آدم
« صَوَّرْناكُمْ »
في ظهر آدم . وفي الحديث المعروف : أنه أخرجهم من ظهر آدم في صورة الذر . ونظيره :
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
واللّه سبحانه يخاطب الموجودين ، والمراد آباؤهم ، كقوله :
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
وغير ذلك من الآيات . وقد يستطرد سبحانه من الشخص إلى النوع كقوله :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ
إلى آخره .
فالمخلوق من سلالة آدم ، ومن نطفة ذريّته . وقيل إن
« صَوَّرْناكُمْ »
لآدم أيضا لقوله تعالى :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
فأضاف النفخ إلى نفسه ، وفي الصحيح في حديث الشفاعة : « فيقو لون أنت آدم ، خلقك اللّه بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأسجد لك ملائكته ، وعلّمك أسماء كل شئ » . فذكروا له أربع خصائص . فالمنفوخ منه الروح المضافة إلى اللّه إضافة تخصيص وتشريف ، واللّه هو الذي نفخ في طينته عن تلك الروح ، هذا الذي دل عليه النص . وأما كون النفخة مباشرة منه سبحانه كما خلقه بيده ، أو أنها بأمره كقوله
فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا
مع قوله
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
إلى آخره - فهذا يحتاج إلى دليل فإنه أضاف النفخ في مريم لكونه بأمره ، وإلى الملك لكونه المباشر للنفخ .
وفي القصة فوائد عظيمة ، وعبر لمن اعتبر ، منها : أنه خلق آدم من تراب ، من أبين الأدلة على المعاد ، كما استدل عليه سبحانه في غير موضع ، وعلى قدرته سبحانه وعظمته ورحمته وهيبته وإنعامه وكرمه ، وغير ذلك من صفاته .
هامش
( 1 ) زيادة يستقيم بها النص ، وانظر : تفسير الطبري ، تحقيق الأستاذ محمود محمد شاكر ، طبع دار المعارف ، 12 : 318 - 320 .