وقال الشيخ أيضا في ردّه على بعض المتكلمين وأشباههم : والقوم - وإن كان لهم ذكاء وفطنة ، وفيهم زهد وأخلاق - فهذا لا يوجب السعادة إلا بالإيمان باللّه وحده . وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة البدن ، وأهل الرأي والعلم بمنزلة الملك والإمارة ؛ فكل منهم لا ينفعه ذلك إلا أن يعبد اللّه وحده لا شريك له ، ويتخذه إلها دون ما سواه ؛ وهو معنى قول « لا إله إلا اللّه » . وهذا ليس في حكمتهم ، ليس فيها الأمر بعبادة اللّه وحده والنهى عن عبادة المخلوقات ، بل كل شرك في العالم إنما حدث بزى جنسهم ، فهم الآمرون بالشرك ، الفاعلون له ، ومن لم يأمر منهم بالشك فلم ينه عنه ، بل يقرّ هؤلاء وهؤلاء ؛ وإن رجّح الموحّدين ترجيحا ما فقد يرجّح غيره المشركين وقد يعرض عن الأمرين جميعا . فتدبر هذا فإنه نافع جدّا وكذلك الذين كانوا في ملّة الإسلام - لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد ، [ بل يسوّغون الشرك ويأمرون به - إذا ادّعوا التوحيد ] « 1 » ، فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل . والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين كله للّه ، وعبادته وحده لا شريك له ، وهذا شئ لا يعرفونه . والتوحيد الذي يدّعونه إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات ؛ فلو كانوا موحّدين بالكلام - وهو أن يصفوا اللّه بما وصفته به رسله - لكان معهم التوحيد دون العمل ؛ وذلك لا يكفى في النجاة ، بل لا بد أن يعبدوا اللّه وحده ويتخذوه إلها دون ما سواه ، وهو معنى قوله « لا إله إلا اللّه » فكيف وهم في القول معطّلون جاحدون ، [ لا موحّدون ] « 2 » ولا مخلصون ؟
انتهى .
فتأمل كلامه واعرضه على ما غرّك به الشيطان من الفهم الفاسد الذي
هامش
( 1 ) الزيادة من المخطوطة : 117 والمصورة 1 : 224 .
( 2 ) زيادة من المخطوطة والمصورة .