أن الإنسان مجبول على حبّه لولده ، وإيثاره على غيره ، حتى أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال اللّه تعالى :
أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
فإذا شرع اللّه لهم أن يوقفوا أموالهم على أولادهم ، ويزيدوا من شاءوا ، أو يحرموا النّساء والعصبة ونسل البنات ، فلأىّ شئ لم يفعل ذلك أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ ولأىّ شئ لم يفعله التابعون ؟ ولأي شئ لم يفعله الأئمة الأربعة وغيرهم ؟ أتراهم رغبوا عن الأعمال الصالحة ، ولم يحبّوا أولادهم ، وآثروا البعيد عليهم وعلى العمل الصالح ، ورغب في ذلك أهل القرن الثاني عشر ؟
أم تراهم خفى عليهم حكم هذه المسألة ، ولم يعلموها حتى ظهر هؤلاء فعلموها ؟
سبحان اللّه ما أعظم شأنه وأعزّ سلطانه !
فإن ادّعى أحد أن الصحابة فعلوا هذا الوقف ، فهذا عين الكذب والبهتان والدليل على هذا أن هذا الذي تتبّع الكتب ، وحرص على الأدلّة ، لم يجد إلا ما ذكره ؛ ونحن نتكلم على ما ذكره :
فأما حديث أبي هريرة الذي فيه « صدقة جارية » فهذا حق ، وأهل العلم استدلوا به على من أنكر الوقف على اليتيم وابن السبيل والمساجد . ونحن أنكرنا على من غيّر حدود اللّه ، وتقرّب بما لم يشرعه . ولو فهم الصحابة وأهل العلم هذا الوقف من هذا الحديث لبادروا إليه .
وأما حديث عمر : أنه تصدّق بالأرض على الفقراء ، والرّقاب ، والضيف ، وذوى القربى ، وأبناء السبيل - فهذا بعينه من أبين الأدلّة على مسألتنا .
وذلك أن من احتجّ على الوقف على الأولاد ليس له حجّة إلا هذا الحديث ، لأن عمر قال : لا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف ، وأنّ حفصة وليته ، ثم وليه عبد اللّه بن عمر . فاحتجّوا بأكل حفصة وأخيها دون بقية الورثة . وهذه الحجّة من أبطل الحجج . وقد بيّنه الشيخ الموفّق رحمه اللّه