تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ مكة — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
ريال ، وجاء في القرآن ذكر من ينشأ في الحلية . وكان لمترفيهم مجالس للسمر ينصبون لها الأرائك ويمدون فيها الموائد ويتفكهون بما طاب من ثمارهم ويتلذذون بفواكه الطائف الطازجة أو مجففات الشام وفلسطين المستوردة لمتاجرهم ويعرفون طعام الفالوذج نقلا عن الأمم المجاورة « 1 » . وكانوا يتخذون من ثمرات النخيل والأعناب خمورا يعدونها في مجالسهم في آنية من فضة وأقداح من بلور ، ويدور عليهم ساقيهم بها تفوح منها روائح المسك والكافور أو الزنجبيل . وكانت لهم حلقات يعقدها القصاصون يتلون فيها عليهم أساطير الأولين أو يقصون عليهم بعضا من نوادر الحياة مما يصادفه الرجل في آفاق الأرض فيجتمع إلى هذه الحلقات كهولهم في أقبيتهم الفضفاضة وشبيبتهم في ثيابهم الموردة أو المحمرة من أغلى الحرير المجلوب من بلاد فارس أو المصنوع في العراق والشام . وكانت مكة في عهد قريش تضم إلى هذا ما تضمه عواصم اليوم تقريبا من جاليات أجنبية يهبطون إليها بفنونهم وأموالهم وبعض علومهم فلا تلبث أن تتسع لما يهبط إليها وتفسح لها من المجال ما تفسحه اليوم ، وكثير من كتب السير في مجموعها تحدثنا بأنه كان من سكانها نصارى الروم ووثنيون من فارس وأنه سكنها جاليات من العراق ومصر والحبشة والسريان ، ونحن لا نستبعد أن يكون نزوح هذا الجاليات فرارا من الثورات وألوان الاضطهاد « 2 » وتحت عوامل أخرى شبيهة بالتي تؤثر في انتقال الموجات البشرية في كل دور من أدوار التاريخ .
هامش
( 1 ) أغاني 8 / 329 ( 2 ) ذكروا أن بعض رجالات قريش شعروا باضطهاد بعض الجاليات الأجنبية في بيوت بعض كبار القوم فاجتمعوا في دار عبد اللّه بن جدعان وتعاهدوا أن لا يقر ببطن مكة ظالم وأن يكونوا يدا واحدة مع المظلوم ثم جاءوا بماء من بئر زمزم فغسلوا به أركان الكعبة ثم شربوه توكيدا لعهدهم وقد حضر النبي صلى اللّه عليه وسلم حلفهم قبل البعثة وقال فيه بعد ذلك لو دعيت به في الاسلام لأجببت ( راجع ابن هشام 1 / 145 ) .
تاريخ مكة — صفحة 43 | أحمد السباعي