فيها المحل جهة الأحصّ وقضاء المعرة . وكانت أواخر هذه السنة وأوائل السنة التي تليها أشد أيام الحرب على الفقراء حتى أنهم كانوا يقتاتون من الحشيش ، فيسلقونه ويأكلونه كما كانوا يأكلون قشور الفواكه والبقول وكل ما تنبت الأرض .
وكان تجار الحنطة والطحانون والخبازون ، يخلطون دقيق البرّ بدقيق الشعير والذّرة البيضاء والصفراء والتّرمس والنّخالة والتراب والرماد وبزر المكانس وما أمكن خلطه ، ويبيعون الخبز بأسعار باهظة وهو غير ناضج . وكان الجزارون يخلطون لحوم الحمير ونحوها بلحوم الغنم والبقر .
وكانت الأزقة والمنازل تعج بالأنين والبكاء من الجوع من الأطفال والكهول والشيوخ ، وكانت بعض الطرق تغص بالموتى من الجوع ، يجري هذا كله والتجار والمحتكرون يحملون قلوبا كالحجارة ، بل هي أشد قسوة ، فلا ترثي لشاك ، ولا ترق لباك ، ورجال الحكومة شركاء المحتكرين في القّسوة ، وشركاؤهم أيضا في طلب السعادة من شقوة الناس ، والتماس الشبع من جوعهم ، فيتعامون عن هذه المشاهد المؤلمة ، ويتصامّون عن سماع تلك الأنات المحزنة .
تاريخ معرة النعمان — صفحة 221
مساهمون: محمد سليم الجندي
ص٢٢١