تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
بالنداء بالمدينة في يوم الثامن والعشرين من شهر ذي الحجة أحد شهور سنة خمسين وسبعمائة : أن لا يحكم في المدينة مع القاضي شمس الدين غير فلان ، ومن تعرض ذلك فلا يلومن إلا نفسه . فمن يومئذ انقطع أمرهم ونهيهم بالكلية ، وظهر علم أهل السنّة ، واجتمعت الكلمة ، ووجدنا على الحق أعوانا ، ثم إن الأمير سعدا منع أيضا أن يدخلوا معه إلى الحجرة المشرفة إذا أراد الزيارة ، وأقام مقامهم الفقيه برهان الدين إبراهيم بن عبد اللّه المؤذن وصاروا كما قال تعالى :
فَوَقَعَ الْحَقُّ
[ الأعراف : 118 ] الآية . ولما تمّ الأمر لأهل السنّة وانقطع دابر القوم ، وقع بينهم افتراق الكلمة وطهرت من الفتنة ، فأسخطوا بذلك الرحمن ، وأرضوا الشيطان ، وأصبح كل من المجاورين فيما بينهم وبين الخدام متحزبين أحزابا منتظرين لبعضهم عذابا ، نعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن شر الشيطان الرجيم . ولما رأيتهم على هذا الحال ، وقد كثر بينهم القيل والقال ، لزمت بيتي رغبة في السلامة ، متمثلا بقول العلامة أبي شامة ، رحمه اللّه :
ألا يا لائمي مالي سوى البيت موضع * أرى فيه عزا أنه لي أنفع
وقد يسر اللّه الكريم بفضله * غنى النفس مع شيء به أتقنّع
وفي حسن ظني أنّ ذا يستمر لي * إلى الموت إن اللّه يعطي ويمنع
ولنرجع إلى ما كنا فيه من أخبار القاضي شمس الدين ابن السبع رحمه اللّه ، كان خطيبا مصقعا إذا خطب على المنبر ، يسمع من طرف السوق مع ما في السوق من اللغط ، ولو أنصت له منصت من أعلى سور المدينة سمع كلامه ، مع الفصاحة العظيمة وحسن الأداء ، وبدت منه سقطات لا تليق بالحكام ، واشتهرت عنه بين الناس ، منها : أنه صحّف المثل المشهور : ( إذا قالت حذام فصدقوها ) . فنطق بها بضم الخاء المعجمة وتشديد الدّال المهملة ، ويقال : إنه زعم بذلك خدام الحرم الشريف النبوي . فلما كانت سنة أربع وخمسين وسبعمائة سافر جماعة من المجاورين وأشاعوا عنه تلك الأشياء ، وكان القاضي عزّ الدين بن جماعة من أعظم