تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
لإخوانه ، كنت إذا جئت الصف الأول ولم أجد لي فيه مدخلا يفسح لي ويعزم عليّ ويقول :
سم الخياط مع المحبوب ميدان « 1 » * . . . . . . . . . .
وكان لي من الإخوان الفقيه الفاضل العابد الورع الزاهد شمس الدين محمد بن يوسف الحليمي « 2 » رحمه اللّه ، كان فيه من الخير والصلاح والعزلة عن الناس ما لا مزيد عليه ، وكان من الأولياء الأكياس ، ومن الناس الذين هم الناس ، وكان فاضلا في مذهب أبي حنيفة مشاركا في عدة علوم . رحل إلى دمشق في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ، واشتغل على الشيخ علاء الدين القونوي فآثره الشيخ على غيره ، واعتنى به وتفرس فيه الخير ، فرجع وقد حصّل واستفاد ، وكان إذا جلس في مجلس تكلم وأفاد ، فقدت من دعاويه وأنسه وولايته ونصيحته ما لم أفقده من أحد من الأصحاب ، كان ساكنا جواري حتى مات رحمه اللّه ، فلم أر منه غير الخير والمودة والمحبة في الغيبة والحضر . كان يقول لي : واللّه ما وقفت تجاه الحجرة المشرفة ودعوت لنفسي إلا دعوت لك ، ولا ختمت ختمة إلا دعوت لك بدأها وآخرها ، وكان يقول : من شدة المودة أسأل اللّه تعالى أن لا يريني لك يوما أكرهه وأن يجعل يومي قبل يومك . وعلى الجملة فكان من إخوان الصفاء وأهل الوفاء ليس من الإخوان الذين قال فيهم :
وإن من الإخوان إخوان نعمة * وإخوان حيّاك الإله ومرحبا
وإخوان كيف الحال والأهل كلهم * وذلك لا يسوى نقيرا مترّبا
وما أشبه الناس اليوم في تواددهم وتصافيهم بقول القائل :
دهرنا دهر افتراق * ليس ذا دهر التلاقي
هامش
( 1 ) هذا شطر البيت الشعري :سم الخياط مع الأحباب ميدان * خضر الجنان مع الأعداء نيران( 2 ) ترجمته في : « الدرر الكامنة » 4 / 316 ( 854 ) .