تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
قال لي : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في النوم فأنشدته بعض قصائدي فيه ، فبصق في فيّ وقال لي : لا فضّ فوك . فلم تسقط له سنّ ، وكان قد جاوز السبعين حين أخبرني بذلك . ولقد أعطيته يوما خشكانة يابسة قديمة لا تكاد تنكسر إلا بالحجر ، فأخذها وقرضها كأنها قطعة سكّر ، وكان يأخذ الدرهم النحاس فيقطعه بأسنانه نصفين ، وكان أعجوبة الزمان وطرفة الإخوان من أدب وشعر وحكايات ، من جلس إليه لا يكاد يحب فراقه ، وكان حسن البديهة سريع الجواب . حكى لنا أنه كان ساكنا في مدرسة في مدينة تونس ، قال : فنزلت يوما في درج المدرسة كنت على عجل ، واتفق أن كان قاضي القضاة ابن عبد الرفيع طالعا في الدرجة ولم أشعر به ، فلما سمع حسّي قال قبل أن يراني : من النازل ؟ فقلت : الطالع ، فغضب عليّ وأمر بإخراجي من المدرسة . وله مثل هذا كثير ، وسأذكر منه شيئا في ترجمة السراج . ومن شعره :
بلغت بشعري في الصبا وعقيبه * جميع الأماني من جميع المطالب
فلما رأت عيناي سبعين حجة * قريبا هجرت الشّعر هجر الأجانب
أيجمل بالشيخ الذي ناهز الفنا * بقاء على ذكر الصبا والكواعب
حثثت السرى ليل الشباب فكيف لا * أنيخ لدى صبح المشيب نجائبي
لعمرك إن العمر يوم وليلة * يكران والدنيا مناخ لراكب
وقال في معنى قول الحكماء : من طال عمره كانت مصيبته في نفسه .
إذا طال عمر المرء سرّ وساءه * على أيّ حال كان فقد الحبائب
وفي نفسه إن مات قبل انتهائه * مصيبته فالمرء رأس المصائب
أنشد لنفسه في يوم العيد :
إنّ عيدا بطيبة وصلاة * بمصلّى الرسول في يوم عيد
نعم ضاق واسع الشكر عنها * فهي بشرى لكلّ عبد سعيد
كم تمنيتها فنلت التمني * آخر العمر من مكان بعيد
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 149 | ابن فرحون / حسين محمد علي شكري