تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ طبرستان — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
الأموال والمعاشرة ، ولم أترك ذلك في قلبي ولست راغبا أن تكون لي صديقا قط ، وسأظل محبوسا في الدنيا حتى يعلم الخلائق عدلى وليطلبوا منى ما يلزمهم من أجل صلاح المعاش ، وفلاح المعاد والتعفف عن الفساد ، ولأهديهم فلا يظنون ويتخيلون أنني مشغول بطلب الدنيا بالمخادعة والمخاتلة ، ولا يتوهمون ذلك حيلة منى طويلة ، إنني اعتزلت شهوات الدنيا وسكنت فيها إلى مكارمها وكان ذلك لغرض أنني إذا ما دعوت شخصا للرشد والحسنات والخير يستجيب لي ، فلا يرد نصيحتى بعصيان ، ومثلما كان والدك السعيد بعد تسعين عاما من العمر والملك ب " طبرستان " يتقبل كلامي بسمع القبول والإصغاء ، ولم يكن يتوهم فيه خللا قط ، وهدفى من ذلك أن أوضح لك أن نهجى وسيرتى ليست من رأيي ولا من صنعي فكيف تواتينى الجرأة بحيث أحرم في الدين أمرا حلالا من نساء وشراب ولهو ، فكل من يحرم الحلال يكون شأنه كمن يحلل الحرام ، لكن هذه السنة والسيرة قد تلقيتها عن رجال كانوا أئمة الدين وأصحاب الرأي والكشف واليقين ، مثل فلان وفلان تلاميذ الشيوخ والحكماء المتقدمين على عهد " دارا " ، فقد رأوا هؤلاء المفاسد واستمعوا من السفهاء والسفلة إلى المحاورات والمشافهات ، وشاهدوا الإعراض وعدم الاكتراث من الجهال في حق العلماء ، وراج الظن والتفريق وهجرة السيرة الإنسانية ، وانبعثت الطبيعة الحيوانية ، وخشيت أن يلحقهم عار الجهل بحال الناس وعدم العناية به ، حطموا القلب على الصخر وفروا من مكر الثعالب واستراحوا إلى نهج النمور وهجروا الدنيا كلية ورفضوا شهواتها التي لها تبعات كثيرة ، واستقبلوا مجاهدة النفس والصبر والتجلد على مقاسات تجرع كؤوس الحرمان ، وفضلوا هلاك النفس في سبيل سلامة الروح . ففي التوراة مسطور ( هجران الجاهل قربة إلى الله عز وجل ) خص بإحسانك شخصين ، ولا يوجد في الدنيا إنسان أتعس ولا أذل منهما : - أولاهما المدرك تماما بعقله الذي يبقى في الدنيا ذليلا بين أكف الحمقى . - وثانيهما الملك الذي سقط لسوء حظه عن التاج والعرش في البؤس والفقر .