تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دمشق — صفحة 1343

مساهمون:

ص١٣٤٣
دخولها وهي الدهماء غير المحجلة ، وكيف لا وقد جمعت النيران عن عروشها كلها ، وحجله تصبرت على أمر أمرّ من الصبر ، وهو حضر الحصار ، واستنصرت بقومها لتنتفع فلم يضرها سوى الاستنصار ، إن في ذلك لعبرة ، فاعتبروا يا أولي الأبصار « 1 » . ولما سقط خبر طرابلس على أختها أنفه جبن حماتها ، فسقط في أيديهم وهم أولو حمية وأنفة ، وكذلك أهل جبيل والبترون استقلوا أنفسهم وهم الأكثرون ، وما منهم إلا من سالم وسلم ، ونال الأمان قبل أن يكالم ويكلم ، هذا مع حصانة هذه الحصون واستعاذهم أن بذاك لها مضمون ، وإنما هلال الخوف أظلهم غمامه ، وحام حول حماهم حمامه ، فشملتهم المراحم الشريفة شمول المطر ، وبلغتهم من سكنى الوطن كل الوطر ، لكن طرابلس لما دعت بالويل والحرب ، كان الخراب لإخوتها أعدى من الجرب ، فهدم سور هذه ، وشرفات تلك ، وخلصت في يد مولانا السلطان واليد ملك ، وصار ملوكها رعية من الرعايا ، وسار حديثهم مثلا تجري به المطايا . انتهى ما نقلته من كلام شرف الدين القدسي مختصرا في هذا المعنى ، وشاهدت هذا الحصار منذ رمت المجانيق إلى حين فتحت طرابلس . وحكي لي أن سبب أخذ الفرنج لها بعد الخمسمائة أن ابن صنجيل كان من ملوك البحر وله به بلاد ، فجرى له أمر أوجب خروجه عن بلاده ، فركب البحر ولجج فيه ، وتوقفت عليه الريح بحيث يكاد يهلك ومن معه ، وتاه ثم رماه الموج إلى ساحل طرابلس ، فسير إليه ابن عمار يسأله عن سبب نزوله ، فعرفه أنه قد هلك من طول المقام في البحر ، وأنه نزل يستريح ويتزود ويرحل ، وسأل أن يخرج إليه من يبيع عليه ما يحتاجه ويشتري منه ما يبيعه ، وأنهم لا يعدمون في ذلك فائدة جيدة ، فخرج إليه جماعة من أهل البلد وبايعوه وشاروه وكسبوا عليه ، ثم نزل
هامش
( 1 ) النص بالأصل مشوّه تماما ، ولذلك القراءة ترجيحية .